الجمعة , 3 ديسمبر 2021
الرئيسية / المقالات الرئيسية / “المِدسْطنسي” في السجن المدني بسليانة: واقع صادم.. وسجناء واعُون

“المِدسْطنسي” في السجن المدني بسليانة: واقع صادم.. وسجناء واعُون

 

أسوار عالية وأسلاك شائكة، باب حديديّ عملاق وكلب حراسة وتفتيش مدرب جيدا، أعوان مسلحون، ومكان ساكن سكون الليل، إنه السجن المدني بسليانة.

لم يكن يوم الأحد 20 ديسمبر 2020، يوما عاديّا لنزلاء السجن أو أعوانه، فقد كانوا على موعد مع عرض فلم “المِدسْطنسي” للمخرج التونسي حمزة العوني في إطار أيام قرطاج السينمائية في السجون التونسية في دورتها السادسة.

وقد حرص المنظّمون على تهيئة قاعة العرض لتستقبل أكبر عدد ممكن من المساجين الذين كانوا من فئات عمرية مختلفة فمنهم المراهقين ومنهم الشباب والكهول وحتى كبار السن، لمتابعة الفيلم الذي دام طيلة 114 دقيقة.

عن فيلم المدسطنسي..

والمدسطنسي فيلم وثائي طويل تدور أحداثه حول شخصية محرز الشاب التونسي الذي ينحدر من منطقة المحمدية احدى ضواحي العاصمة المهمشة، ويتصارع داخل محرز عالمان، عالم الفن والمسرح والثقافة وعالم الفراغ والتّيه والانحراف، ورغم سفره إلى أوروبا والفرصة التي أتيحت له ليعانق عالم الفن والمسرح بقي حمزة في صراع مع نفسه التي تميل تارة للفن وأخرى للربح المادي السريع والانحراف، مثل تفكيره في الاتجار بالمخدرات في اوروبا.

وطرح فيلم المدسطنسي الواقع الصادم لشباب المناطق الشعبية التي حُرمت طيلة عقود وما تزال من أبسط مقومات العيش الكريم، هذا الشباب الذي ينازع لينتشل نفسه من الضياع والعدم ليصطدم في النهاية بواقع مأساوي ودولة لم تقدم له شيئا ووأدت أحلامه، حتى أن محرز شتم وطنه في لحظة سُكر وضياع لأن عقله الباطن أدرك أن هذه البلاد لم تمنحه شيئا.

ولئن تضمّن الفيلم عنفا لفظيا صادما ومزعجا للكثيرين، إلا أن المخرج نقل الواقع بكلّ تجرّد ونجح في إحداث الصدمة لدى الجمهور المتابع، هذه الصدمة التي دفعته للتفكير والتأمل في واقع الكثير من شباب الوطن على غرار محرز، الذي اختار الهجرة هربا منه.

هذا الفيلم المليء بالمتناقضات، الألم والأمل، الضياع وإيجاد النفس، الفن والانحراف، الحب والكره، الوعي واللاوعي، عُرض أمام مساجين السجن المدني بسليانه، حتى يحفّز لدى السجناء ملكة التفكير في واقعهم وكيف أنه بيدهم الاختيار، إمّا أن يكونو سعداء أو أشقياء، إمّا الحياة أو الموت، وإمّا العمل أو الانحراف، فالخيار الاوّل والأخير يجب أن يكون نابعا من داخلهم، ولعمري فقد أحسنت ادارة أيام قرطاج السينمائية في اختيار الفيلم المناسب لعرضه أمام المساجين.

ما بعد الفيلم..

فجّر فيلم المدسطنسي طاقة من النقد لدى نزلاء سجن سليانة، الذين واكبوا العرض منذ بدايته حتى النهاية وتفاعلوا مع الشخصية الرئيسية، ضحكوا معها وتأثروا فتفاعلوا، وكان هذا واضحا من خلال حلقة النقاش اثر عرض الفيلم، التي أثروها بمداخلاتهم.

وكانت مداخلات السجناء راقية، وهادفة ومعبرة، دلّت عن وعي عميق لديهم بأهمية الفن في النأي بالنفس عن طريق الانحراف، فضلا عن اثباتهم أن داخل السجن مثقفون وأشخاص عطشى للفن والمسرح ولتغيير واقعهم نحو الأفضل.

وقد تفاجأ الحاضرون داخل قاعة العرض بوجود سجناء منخرطون في ورشة المسرح بالسجن، وقد حفّزهم الفيلم الوثائقي كثيرا لمواصلة المسرح خارج أسوار السجن بعد انتهاء مدة ايقافهم.

وقال كريم (اسم مستعار)، كان يمكن لبطل الفيلم أن يقدم صورة الشاب المهزوم الذي اختار طريق الانحراف أم قتل نفسه في نهاية المطاف، الا أنه رغم ظروفه الصعبة كان دائما يتحلى بالأمل الذي يستمده من ممارسة المسرح والفن.

وثمن جل المودعين اهتمام ادارة السجون والاصلاح بالثقافة داخل الوحدات السجنية، راجين أن تتكرّر وأن لا تكون مناسباتية، معبرين عن احترامهم للأعوان الذين يحسنون معاملتهم.

في معنى المدسطنسي

وفي سؤال حقائق أون لاين لمخرج العمل حمزة العوني عن الدافع وراء انجاز فيلم وثائقي عن حياة الشاب حمزة، أجاب: “أردت منذ البداية انجاز فيلم وثائقي عن مقهى في المحمدية يرتاده الشاب للعب القمار، وهناك تعرفت على حمزة حيث انجذبت إلى شخصيته بحكم أنه فنان ومثقف و”قمارجي كبير” في آن واحد وعندها جاءتني فكرة فيلم وثائقي عن حياة هذا الشاب.

وعن قصة الفيلم يقول المخرج إنه يتحدث عن حياة شاب تونسي طيلة 15 سنة، من 2005 الى غاية 2020، تاريخ فترة كاملة عاشتها البلاد، هذا الشاب جاء من حي شعبي وأراد فعل الكثير من الأشياء ولديه أحلام، فشل مرات ونجح مرات ودخل إلى السجن وخرج، وأردت الخروج بهدف من تصوير حياة محرز وهو أن الانسان يجب أن يكون لديه أمل، لأن الأمل قوة وهو ما يجب أن يتحلى به السجناء أي أن يكون هناك أمل بالخروج من السجن وبناء غد أفضل.

أمّا عن معنى عنوان الفيلم الذي صعب على الكثيرين نطقه أوّل مرة، قال المخرج: “إن بطل الفيلم محرز هو من اختار العنوان “المدسطنسي” وهو يعني الشخص الذي لم يتمكن أبدا من اكمال ما بدأه، سواء في الفن أو الحب أو حتى الانحراف، مثل الحصان في سباق الخيل الذي يظل يجري ويجري ثم يجد نفسه خارج السباق في النهاية، وقد كنت سأشير إلى تفسير العنوان في الفيلم ثم تراجعت لأترك المجال للمتفرج لفهم العنوان من خلال المشاهدة.

وعن العنف اللفظي والمادي في الفيلم قال المخرج، هذا هو واقع الكثير من التونسيين وأنا صوّرت الواقع كما هو لأنه فيلم وثائقي ولم أتدخل في المشاهد وأردت نقل الصورة كما هي”.

10 الاف سجين سيشاهدون الأفلام داخل الوحدات السجنية

كان الناطق الرسمي باسم الادراة العامة للسجون والاصلاح سفيان مزغيش حاضرا بين المساجين خلال عرض الفيلم، وبين أنه رغم الظرف الاستثنائي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن 10 آلاف سجين سيشاهدون الأفلام داخل الوحدات السجنية، خلال الدورة السادسة لأيام قرطاج السينمائية في السجون.

وشدد مزغيش على أن اصلاح المنظومة السجنية يجب أن يكون مشروعا مجتمعيّا يتظافر فيه الجميع على غرار المنظومة التشريعية والسياسة الجزائية.

وقال مزغيش: أطمح بأن يكون المودع هو صانع الفيلم، كما أريد القطع تماما مع الوصم الاجتماعي، للمساجين، مشيرا إلى أن بطولة في كرة القدم ستقام بين المساجين داخل وحداتهم وأن الادارة العامة للسجون تفكر في أن تُقام المباريات في الملاعب.

وقال مزغيش: ” نحن نريد ان نبيّن للمجتمع انه باستثناء سلب الحرية فالسجين له كامل الحقوق، من ذلك الحق في الثقافة والرياضة، ويجب ان نطبق الفصل 30 من الدستور الذي ينص على أن “تراعي الدولة في تنفيذ العقوبات مصلحة الاسرة وتعمل على اعادة الاصلاح والادماج”، وبالتالي أنسنة تنفيذ العقوبات في السجون.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع حقائق أون لاين

شاهد أيضاً

الداخلية: حجز 23 حاوية توريد لشركتين مختصّتين في التجارة الدّوليّة

تمكّنت مصالح الإدارة العامة للحرس الوطني نهاية الأسبوع الماضي من حجز 23 شاحنة حاملة لـــ …