الإثنين , 18 أكتوبر 2021
الرئيسية / المقالات الرئيسية / فتحي ليسير أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية : “كيفت أغرقت الإدارة بعديمي الكفاءة “

فتحي ليسير أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية : “كيفت أغرقت الإدارة بعديمي الكفاءة “

لماذا ساءت إدارة الشأن العام في تونس منذ سنة 2011؟ هذا السؤال طرحناه على أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية فتحي ليسير. بصفته من أفضل القادرين عن الإجابة عنه. إذ أنه يتابع الموضوع بكثير من الانتظام. ويبقى في هذا الصدد كتابه “دولة الهواة” الذي يؤرخ بدقة للأخطاء والهنات والانحرافات التي حصلت في الإدارة خلال السنوات الأولى للثورة التونسية من قبل “هواة ومتطفلين” “عزموا على مكترك السياسة دون موهبة أو ثقافة أو خبرة كافية أو قدرة على التعلم” مرجعا أساسيا لمن يرغب في فهم ما جرى في هذا السياق. خاصة وأن مقاربته علمية وتتميز بالصرامة التي يعتمدها الباحث الجامعي. وهذا الحوار الذي أجريناه مع فتحي ليسير يقدم بالحجة والبرهان كيف خاب سعي من حكم البلاد التونسية منذ 2011 متوقفا بالطبع عند الأسباب -وهي كثيرة -الكامنة وراء الفشل الذريع الذي حصدته السياسات المتبعة. حوار ينفع في هذه الفترة و نحن نحتفل بالذكر العاشرة لثورة 14 جانفي 2011.

أكدتم في كتابكم “دولة الهواة” على أن من أمسكوا بدواليب الدولة وأشرفوا على مقدراتها وعلى إدارة الشأن العام بعد انتخابات أكتوبر 2011 كانت تعوزهم الخبرة والكفاءة وثقافة الدولة بحيث لم يكونوا في مستوى تحدّيات ما بعد الثورة. كيف تقيمون -باختصار -فترة حكم الترويكا ديسمبر 2011-مارس 2014؟

بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر 2011 (و أثر فترة انتقالية صعبة و ذات أخطار عالية استمرت من جانفي إلى نوفمبر 2011 عرفت ثلاث حكومات، اثنتان لمحمد الغنوشي و واحدة للباجي قائد السبسي,  كان أمل أغلبية التونسيين معقُودا على “حكومة الشرعية” كي تمسك باقتدار بمقاليد البلاد و أن تقطع مع ما شاب إدارة الدولة و البلاد عموما قبل الثورة من تجاوزات و نقائص و هنات…. والحق أن الحاجة كانت ماسّة آنذاك إلى سياسيين محنّكين أي إلى رجال دولة من أجل مجابهة واقع صعب ومركُب سريع التغيّر بفعل ما كان يجري حينذاك عي الصعيد الإقليمي والعربي. واقعٌ مشاكله ورهاناته عديدة وشائكة. والواقع أن الظروف عموما كانت ملائمة بالنسبة لحكومة الترويكا الأولى كي تنطلق في عملها وهي مكلّلة بشرعية انتخابية. ذلك أن الأحزاب الفائزة في الانتخابات والتي شكّلت التحالف الحكومي الثلاثي (أحزاب النهضة والمؤتمر والتكتل) كانت ذات دعم شعبي ترجمت عنه نتائج الانتخابات. أضف إلى ذلك أن الرأي العام في مجمله كان يساند عملية تطهير و إصلاح تطال مختلف أجهزة الدولة و دواليبها و كان مثل هكذا إجراء سيحظى بدعم سياسي صلب المجلس التأسيسي و خارجه و في المجتمع المدني و حتى على المستوى الخارجي أي من الدول المانحة التي نظرت نظرة تعاطف لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، بل إنها ذهبت إلى حد اعتبارها تجربة نموذجية بالنسبة لبلدان ما سمي آنذاك الربيع العربي. والخلاصة أن كل الظروف الموضوعية تقريبا كانت في صالح حكومة الترويكا ويجوز القول إن الطريق كانت سالكة لتجسيد ما كانت تطالب به شرائح عريضة من التونسيين من ضرورة وضع لبنات أولى في صرح نظام جديد يقوم على مبادئ الديمقراطية والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية والتوازن الجهويّ…

إعادة إنتاج المنظومة القديمة

وعوض الانخراط في هذا التمشي، الذي كان سيواجه صعوبات لا محالة (داخلية وحتى خارجية) فان حكام تونس الجدد آثروا سلوك نهج آخر مخالف تماما للمسار الذي كان يصبو إليه عموم التونسيين. ولسنا ندري إن كان هذا عائد إلى اختيار مدروس مسبقا أم إلى عدم فهم لمتطلبات المرحلة كما ذكر عبد الفتاح مورو في جريدة المغرب بتاريخ 13 سبتمبر 2013.

ومهما يكن من شيء فان النتيجة كانت واحدة بالنهاية وهي العودة إلى الممارسات القديمة وإلى الأساليب التي ثار الناس ضدها. وهذه الممارسات باختصار شديد هي : إعادة إنتاج المنظومة القديمة من خلال التمسّك ببراديغم الحزب/ الدولة، ومن تجليات ذلك تحزيب الإدارة و مؤسسات الدولة و هو ما أطلق عليه أبو يعرب المرزوقي ، في نص استقالته من المجلس التأسيسي  بتاريخ 6 مارس 2013  ” آفة الآفات..” ، علاوة على عدم النأي بمؤسسات الحكم عن الشخصنة و كذا التعاون مع عدد من رموز المنظومة السابقة ، من الفاسدين و ليس الأكفاء منهم ، و بارونات الاقتصاد الموازي أو الخفي و محاولة تدويرهم ( أي رسكلتهم ) و توظيف خبراتهم و شبكاتهم لغايات سياسية. و في كلمة: انقلاب على استحقاقات المرحلة و أمّهات القضايا و ما رافق ذلك من ارتجال و ضبابية و لخبطة و جهل بثقافة الدولة و بطبيعة المجتمع التونسي و بثقافته و ثوابته و استسهال السلطة و إدارة الشأن العام.

ماذا ترتب على هذه الانطلاقة الخاطئة أو المتعثرة كما قلت لحكومة الترويكا على صعيد إدارة الدولة ومؤسساتها وتسيير دفة الشأن العام؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإشارة هنا إلى أمرين مهمّين. أول هذين الأمرين هو أنه لا يمكن لأية حكومة أن تضطلع بمهامها على أكمل وجه ومن ثم تقوم بإنفاذ برامجها وخياراتها بدون إدارة فاعلة متحرّرة من المكبلات والمعوقات وقادرة على المبادرة و طرح التصوّرات المجدّدة و استباق المشاكل و الأعطاب قصد تلافيها أو الحد من تداعياتها و تأثيراتها…

ضربات موجعة

أما الأمر الثاني فيتعلّق بالدور الأساسي والمركزي الذي نهضت به الإدارة التونسية غداة 14 جانفي 2011 في ضمان استمرارية الدولة والمرفق العام وتقديم الخدمات لطالبيها ومستحقيها رغم الظروف الصعبة للغاية وحالات الانفلات والفوضى التي عرفتها البلاد طيلة شهور مديدة.

وثمّة ملاحظة أخيرة تفرض نفسها في هذا السياق، كي لا يُفهم من كلامنا أن حال الإدارة زمن بن علي كانت على ما يرام أوفي أفضل حال. لقد كانت الإدارة التونسية بالرغم من أدائها المرضي المشهود به دوليا أو على الأقل عربيا وإفريقيا، تشكو من نقائص ومواطن قصور وترهل حدّت من نجاعتها بحيث كان يتوجب إدخال جرعات من إصلاحات موجعة عليها كي تواكب معايير الجودة العالمية المعروفة.

لقد تعرّضت الإدارة التونسية -التي كانت مرجعا بالنسبة للعديد من الدول العربية والإفريقية -إلى ضربات موجعة من قبل الحكام الجُدد أنهكتها واستنزفتها ومن ثمّ تراجع أداؤها على نحو ملحوظ.

فقد تم خلال مرحلة “السكرة الثورجية” وتطبيقا لشعار “ديقاج” تحييد آلاف الموظفين السامين وغير السامين الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم تقلّدوا مسؤوليات في الدولة زمن النظام السابق. في حين خيّر قسم آخر من الموظفين الانسحاب من أية مسؤولية حتى لا يكون مصيرهم مثل زملائهم.

وكان لعملية “التطهير ” هذه، بتعلّة القطع مع الفساد والفاسدين والتي طالت الآلاف دون مؤيدات وبراهين في غالب الأحيان، أسوأ الأثر على أداء الإدارة المركزية والإدارات الجهوية والمحلية التي خسرت العديد من الكفاءات، كفاءاتٌ التحق بعضها بالقطاع الخاص وفضّل البعض الآخر الهجرة إلى بلدان الخليج أو الي أروبا.

تمت عديد الانتدابات دون مناظرات

وعقبت هذه العملية تعيينات بالآلاف في الخطط السامية والوظائف وغيرها لموظفين اعتمادا على معايير حزبية وقرابيه وعشائرية وجهوية أو بالمحسوبية وعن طريق الوساطات والشفاعات. ذلك أن الذين جاؤوا ليقتلوا تحزيب الإدارة والقضاء على المحسوبية في إسناد الوظائف قد جعلوا التحزيب والمحسوبية عصبيّة. هذا فضلا عن سياسة انتداب غير مدروسة جعلت عدد الموظفين والاعوان يقارب 600 ألف موظف عام 2013 مقابل 450 ألف موظف عام 2011. وكمثال عن هذا انتقل أعوان رئاسة الحكومة من ألف عون سنة 2011 إلى 1700 عون سنة. 2014

لقد اقترن هذا الارتفاع الهائل في أعداد الموظفين بضعف التكوين وعدم الاستجابة للحاجيات الحقيقية للإدارة ناهيك أن عديد الانتدابيات قد تمّت دون مناظرات.

لقد استسهل الذين مسكوا بالسلطة زمن الترويكا الأولى والثانية الحكم وإدارة البلاد -كان هؤلاء يفتقرون إلى ثقافة الدولة -وظنّوا بشيء من السذاجة وغياب النضج أنه يكفي وضع أناس أمناء (من جماعة الولاء) في أعلي مستويات المسؤوليات كي تتحقق معجزة اقتصادية في البلاد. كما أن بعضهم كان يعتقد، عن حسن نية، أن إخضاع قيادات حزبية وخاصة من حزب النهضة إلى دورات من التكوين السريع كفيل بان يجعل من قيادات طلابية أو متخصّصة في العمل الحركي السري رجال دولة قادرين على التصرف في مواردها في مرحلة أولى ثم إصلاحها فيما بعد.

وهنا لا بد من التذكير بحقيقة تبدو لنا من البديهيات وتفصيلها كالاتي: أن يكون المرء مناضلا سياسيا أو حقوقيا ليس معناه انه يمكن أن يكون رجل دولة ناجح ذلك أن المناصب والمسؤوليات وخاصّة العليا منها تتطلب مواصفات ومهارات ومسارات دراسية ومهنية متميزة ما يجعل من رجال الدولة أقلية أو “عملة نادرة ” كما يقال.

وزير كأول وظيفة

والحاصل من كل هذا أن الإدارة التونسية قد أّصيبت بما يشبه الشلل جراء الآثار المدمرة لإغراقها بموظفين غير أكفاء وأكثر من حاجياتها بكثير وكانت النتيجة تدهور الأداء وقتل الكفاءات وضرب مبدأ الجدارة والكفاءة. ومن الأمثلة على ذلك إن حكومة الترويكا قد ضمّت شخصا لم يشتغل يوما واحدا في حياته وكانت أول وظيفة يتقلدها هي وزير. وهذا من الأمور المعيبة في مطلع القرن الحادي والعشرين.

و تقتضي منا الأمانة القول هنا أن ما تعرّض له المرفق الإداري من إضعاف  و إنهاك قد لقي الاستهجان من البعض ممّن كانوا في السلطة أو كانوا قريبين جدا منها شأن عبد الفتاح مورو ونجيب القروي و لطفي زيتون و حتى حمادي الجبالي رئيس حكومة الترويكا الأولى الذي اعترف في جرأة تُحمد له و في حوار إذاعي بتاريخ 27 مارس 2013 أن من بين أخطائه إشرافه على “حكومة  مُحاصصة حزبية و هي تجربة فاشلة”

هل وقع تلافي جملة هذه الأخطاء مع وصول “نداء تونس ” إلى الحكم في مطلع عام 2015؟  أي هل تمت إعادة الاعتبار للإدارة التونسية ولثقافة الدولة ولهيبتها خاصة وأن الباجي قائد السبسي قد جعل من هذا المبدأ شعارا لحملته الانتخابية في خريف 2014؟

رغم الحصيلة السلبية لأداء الإدارة خلال السنوات التي تلت الثورة والانتقادات الموجهة للدولة داخليا (من قبل الخبراء بالخصوص) وخارجيا (من قبل الدول والهيئات المانحة بالخصوص) بسبب تورم الإدارة والتضخم الهائل لعدد موظفيها (يتجاوز عدد الموظفين اليوم في تونس عدد الموظفين في المغرب رغم أن عدد سكان المغرب يقدّر بثلاثة أضعاف سكان تونس) فضلا عن الترهل الذي أصابها، فان دار لقمان ظلّت على حالها تقريبا. مع ضرورة الإشارة إلى وقف عمليات الانتداب. بيد أن إسناد المسؤوليات والوظائف على الصعيد الحكومي أي المركزي (الوزراء وكتاب الدولة والمستشارون ورجال السلك الديبلوماسي…)  والجهوي (الولاة) والإداري (المدراء العامون والرؤساء المديرين العامين …) للمحاصصة الحزبية. ويكفي أن نتذكر تركيبات حكومات الحبيب الصيد ويوسف الشاهد والحكومة الحالية للإلياس الفخفاخ للتأكد من أن معايير الكفاءة والجدارة والخبرة لم تكن دائما هي المحدّدة في التعيينات. والأمثلة على ما نقول أكثر من أن تحصى. ومن هنا جاء تواضع أداء هذه الحكومات المتعاقبة، فضلا طبعا عن طائفة من العوامل الأخرى.

 وليكن واضحا هنا أنني أعتبر أنه من حق الأحزاب الفائزة في الانتخابات تعيين عدد من مناضليها ومنخرطيها في المسؤوليات ولكن شريطة توافرها على جملة من الشروط منها الكفاءة ونظافة اليد والالتزام بقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب.

محدودية ثقافة و تقاليد العمل الجماعي

   و لابد من الإشارة أيضا إلى أن الإدارة الحالية تشكو من عدم مراعاة النصوص القانونية للاستحقاق و الكفاءة و المردودية و التحفيز، علاوة على ضعف التواصل بين مختلف المصالح و الهياكل و محدودية ثقافة و تقاليد العمل الجماعي إلى جانب النقائص في مستوى منظومة التكوين (يمكن العودة في هذا الخصوص إلى كتاب الطيب اليوسفي  “المخاض العسير”) و التدوير (الرسكلة ) و أخيرا حالة الانحلال و التسيب الإداري التي جعلت من الإدارة عبئا ثقيلا على الدولة .

 ماذا يقول المؤرخ عن فترات” الانتقال الديموقرطي” التي تمر بها عدد من البلدان والمجتمعات في العالم خاصة وأن هذه “الظاهرة” قد تكررت وإن بأشكال مختلفة بعد انهيار منظومة البلدان الاشتراكية عام 1991. و ما هو تقييمكم -باختصار شديد -لحصيلة ما جرى في بلادنا منذ جانفي2011 ؟

عادة ما تتسم اللحظات الانعطافة، في حيوات الشعوب والأمم، أي خلال مراحل الانتقال من عهد إلى عهد أو من طور إلى طور في أعقاب الحروب أو الثورات أو التحولات السياسية الكبرى، بعدم الاستقرار  وعدم وضوح الرؤية و ما يصاحب ذلك من مشاكل اقتصادية و اجتماعية و أمنية و ربما أيضا تهديد للسلم الأهلي.

لقد كان تجفيف الإدارة من كفاءاتها ونخبها خطا جسيما. أضف إلى ذلك أن فكرة محو السابق والانطلاق من صفحة بيضاء (كما حصل مع دستور 2014) شعبويّة وطفولة سياسية ها نحن نعيش اليوم أكلافها الباهظة على مستوى نظامنا السياسي الحالي الذي هو هجين: شبه رئاسي، شبه برلماني. فضلا عن تشتت السلطات إذ نجد اليوم ثلاث إقطاعيات: إقطاعية رئيس الجمهورية، وإقطاعية رئيس الحكومة، وإقطاعية رئيس مجلس النواب.

لقد حال النظام الحالي ويحول دون أخذ القرارات السريعة في ظل أزمات اقتصادية خانقة وانتقال ديمقراطي صعب وهش. المشكل اليوم في تونس أن لا أحد فرح بهذا النظام راض عنه.

أعود إلى موضوع الإدارة خلال الفترة الانتقالية، بما أن جل الأسئلة تمحورت حول هذه النقطة، لأقول أنه كان بالإمكان التأسّي بمن سبقنا في مثل هذه التجربة خلال تسعينيات القرن الماضي واقصد بهذا بلدان أروبا الشرقية (رغم اختلاف الأنظمة و المجتمعات) إذ اتسم الانتقال في معظم هذه البلدان من المنظومة الشيوعية القديمة إلى النظم الجديدة التي كانت تتدرب على الممارسة الديمقراطية، بالسلاسة. فقد تم التركيز على رأس المنظومة بتحييد الحلقة الضيّقة للأفراد الفاعلية القابعين على رأس المنظومة المذكورة (أو هيئة أركانها) لا سيما من كانوا في مواقع مُتنفّذة في الإدارة والقضاء والإعلام والأمن والمال والأعمال. ولقد دلّت التجربة على أن هكذا انتقالا لم يكن مُكلفا جدا رغم فاتورته الباهظة على المستوى الاجتماعي في البداية. كما أن لنا في انتقال مقاليد الدولة غداة الاستقلال من الفرنسيين إلى التونسيين مثالا مُلهما إذ لم يقع التخلّي عن الموظفين والأعوان الذين اشتغلوا تحت حكم الفرنسيين اللّهم الذين تورّطوا مع المحتل بناء على قرائن وبراهين مؤكدة. و نفس الملاحظة تنسحب على الكفاءات الفرنسية من فنّيين و رجال تعليم و متخصّصين و خُبراء ما ضمن استمرارية الدولة قبل أن تقرّر فرنسا سحب رعاياها بعد حرب بنزرت في جويلية  1961.

الاتعاظ بما حصل في بعض البلدان الأخرى

أن المطلوب اليوم -وقد يبدو في هذا شيء من التكرار -بعد إعادة الاعتبار للعمل كقيمة، تثمين كفاءاتنا الوطنية التي هي ثروتنا الوطنية الأولى خاصة وأن بلادنا قد عرفت نزيفا حقيقيا للكفاءات نحو الخارج بعد 2011 وهذه خسارة فادحة يجب أن نكون واعين بخطورتها. والمطلوب وقف هذا النزيف وبالتوازي مع ذلك التصدّي لكل العمليات المُمنهجة الهادفة إلى إنهاك الدولة وإضعافها والاتعاظ بما حصل في بعض البلدان الأخرى.

ويمكن أن لأقول على سبيل الحوصلة أو الخاتمة أنه بالرغم من الكمّ الهائل من المشاكل والمُثبّطات والرهانات التي تعيشها البلاد منذ عشر سنوات، وهي كثيرة ومركبة، فان المشهد ليس بمثل القتامة التي يصوّرها البعض في شيء من المبالغة المفرطة المقصودة، فان هناك موجبات للتفاؤل.

نحن في خضم ما يسمّى انتقال ديمقراطي، انتقال أبعد ما يكون على الاكتمال. هناك مؤشرات ايجابية في هذا الخصوص، من ذلك انجاز البلاد لانتخابات تشريعية و رئاسية و بلدية بمعايير دولية مع انتقال سلمي على السلطة في كل مرة . وهذا ليس بالأمر الهين. ثم إن تونس تعيش اليوم -رغم النقائص والانحرافات العديدة -أهم مظاهر الديمقراطية من تعدديّة حزبية حقيقية وحري إعلام مع وجود مجتمع مدني نشيط ووازن. كما أن الدولة تماسكت رغم ضربات الإرهاب والعمليات المُمنهجة لإضعافها وتفكيكها كما ذكرنا. و نشدّد هنا على كلمة انتقال ديمقراطي لأن ما نلاحظه من مظاهر الديمقراطية، على أهميتها، لا تمثل حالة ديمقراطية دائمة، و هذه الأخيرة رهينة شرطين أساسين، في كل دولة ديمقراطية، و هما استكمال بناء المؤسسات على أسس سليمة و قوية (المحكمة الدستورية على سبيل المثال) و النهوض بالاقتصاد و تحقيق معدلات نمو هامة تسمح بمجابهة التحديات الاجتماعية و ما أكثرها.

أجرى الحوار محمد قنطاره

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع الحصري

شاهد أيضاً

البرلمان الأوروبي يخصص جلسة عامة حول الأوضاع في تونس

حدّد البرلمان الأوروبي الثلاثاء القادم جلسة مخصّصة للنظر في أوضاع تونس الداخلية، بعد قرارات 25 جويلية التي …