الأربعاء , 3 مارس 2021
الرئيسية / المقالات الرئيسية / النفيضة: ابتسامة مريم تنطفئ في السيول والبالوعات

النفيضة: ابتسامة مريم تنطفئ في السيول والبالوعات

“مريم” كانت تستعدّ لإطفاء شمعة الأربع والعشرين سنة في الثلاثين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجري، لكن انطفأت شمعتها في يوم ماطر بينما كانت تغادر مقرّ عملها بأحد المصانع بالمنطقة الصناعية بالنفيضة.. انزلقت مريم في خندق  وابتلعتها المياه الجارفة لتلقيها في قنال أرضي وتجرفها جثةً هامدة على مسافة ثلاثمائة متر.

“مريم”، تلك الفتاة اليافعة، انتشرت ابتسامتها المليئة بالحياة على مواقع التواصل الاجتماعي وكانت قد دخلت بيوت التونسيين من خلال ظهور تلفزي ضمن برنامج اجتماعي تكرّم فيه زوجة أبيها فبثّت رسائل الحبّ والدفء العائلي وأصالة النسب والاعتراف بالجميل في زمن شحّت فيه نقاوة السّريرة.

توفيت مريم غرقًا في منشأة مائية على قارعة الطريق الوطنية عدد 1 بعد أن تم تسريح العملة من المصانع يوم الإثنين على الساعة الثانية مساء وذلك بسبب تواصل تهاطل الأمطار بالجهة إثر تقلبات جوّية حادة.

مريم” كانت تستعدّ لإطفاء شمعة الأربع والعشرين سنة في الثلاثين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجري، لكن انطفأت شمعتها في يوم ماطر بينما كانت تغادر مقرّ عملها بأحد المصانع بالمنطقة الصناعية بالنفيضة

غادرت مريم المصنع رفقة زميلاتها و”نظرًا لافتراش مياه الأمطار لكافة الطرقات وقوّة سيلان المياه بقيت أمام أحد المطاعم في مكان آمن لبضع دقائق قبل أن تنطلق نحو الطريق الرئيسية لتستقلّ وسيلة نقل عمومي” حسب شهادة رؤوف أحد العملة بالجهة لـ”الترا تونس”.

حجبت المياه الجارية جنبات الطريق (ماهر جعيدان/ ألترا تونس)

ماهي إلا لحظات حتى تصايحت رفيقاتها بمجرّد أن رأوها تنزلق في خندق على حافة الطريق وقد حجبت المياه الجارية جنباته لتجذبها السيول إلى الأسفل وتغيب داخل القنال. ارتفع الصياح والولولات وتدخّل المواطنون للبحث قبل أن تتدخل الحماية المدنية للبحث وتسخير آلياتها في المكان غير أن البحث كان بلا جدوى.

لم تمرّ سوى عشرين دقيقة حتى شوهدت مريم في الطرف الآخر من القنال على مسافة ثلاثمائة متر وقد طفت من جديد على سطح الماء، كان المشهد صادمًا للحاضرين فقد لفظت أنفاسها الأخيرة رغم محاولات أعوان الحماية المدنية إنجادها حسب رواية شهود عيان لمراسل “الترا تونس”.

اهتز الرأي العام مجددًا لهول المصيبة فبعد وفاة الطفلة “فرح” في بالوعة لمياه الصرف الصحي بجهة أريانة في الأسابيع الفارطة، هاهي مريم الضحية الثانية في ظرف وجيز مما زاد في حدّة السخط والحنق على مرافق الدولة واتهامها بالإهمال واللامبالاة وانعدام المسؤولية في حلحلة مسائل تردّي البنية التحتيّة.

انتقلنا إلى مكان الحادثة، كانت تلوح لنا عدة مركبات ومؤسسات صناعية ضخمة (ماهر جعيدان/ ألترا تونس)

وككلّ مرّة تجدّ فيها حادثة مؤلمة في تونس يتملّص الجميع من المسؤولية وتعقد الجلسات الفورية ويتم إحداث اللجان الوقتية وتحلّ التفقديات العمومية ويؤذن بالتحقيقات الإدارية والقضائية..وفي جهة أخرى تتصاعد الاحتجاجات وتعقد الاجتماعات ثم تطوى الحادثة في غياهب النسيان.

انتقلنا إلى مكان الحادثة، ثمانون كلم شمال مدينة سوسة وبالتحديد في المنطقة الصناعية بالنفيضة، كانت تلوح لنا عدة مركبات ومؤسسات صناعية ضخمة في مقابل ذلك كانت آثار السيول بادية للعيان والوحل منتشر في الأرجاء وطرقات مهترئة وقنوات التطهير ممتلئة بالمياه… و في إحدى المفترقات على الطريق الرئيسية تجمع بعض الأشخاص حول القنال الذي ابتلع “مريم “. قنال ذو قطر لا يتجاوز المتر يمر تحت الطريق بعد أن تجتمع المياه في خندق على مشارف الطريق الرئيسية. و من غرائب هذه النقطة، وجود محطة للحافلات وسيارات النقل الريفي.

وكانت لنا شهادات من الحاضرين على الحادثة إذ أن الأمطار المتهاطلة في وقت وجيز قد عطلت الحركة المرورية وافترشت المياه كامل المنطقة المنخفضة وتجمع العملة ذكورًا وإناثًا في أماكن عالية. غير أن مريم وزميلاتها قد طال بهم الانتظار بعد الخروج من المصنع فسارعن إلى الطريق الرئيسية. وفجأة تمرّ سيارة بقوة فتهرب “مريم” إلى الوراء لتنزلق في الخندق المائي وتجرفها المياه الجارفة داخل القنال حسب شهادة “محمد” أحد العاملين في المنطقة. دقائق وكانت الحماية المدنية في الموعد خصوصًا وأن مقرهم يبعد حوالي 200 مترًا عن مكان الحادثة. غير أن أحد المارين اكتشف جثة مريم في مكان يبعد 300 متر من مكان السقوط وكانت الفاجعة!

شكري الذهبي (والد “مريم”) لـ”ألترا تونس”: كنت أتمنى أن أموت قبل أن يبلغني نبأ وفاة مريم ..كان خبرًا صاعقًا.. كنت مساء الحادثة أتّصل بها بالهاتف فلا تردّ وسيول المطر تنهار وخوفي يشتد آملًا أن تسرع بالرجوع إلى المنزل ولكن كان القضاء أعجل

توفيت مريم رغم محاولات الإنقاذ إثر توقف رئوي و قلبيّ، ورغم الإسراع بها نحو المستشفى الجامعي بسهلول في سوسة فإن أجلها كان أسرع.. و تسارعت ردود الفعل من كلّ جهة سواء الصادرة عن المجلس البلدي بالنفيضة أو الإدارة الجهوية للتجهيز أو السلطات القضائية. في حين التزمت السلطة الجهوية بولاية سوسة الصمت.

الساعة الواحدة بعد الزوال، تنقلنا إلى منزل الضحية “مريم الذهبي”، كانت الجموع أمام المنزل تنتظر تسلّم جثة الفقيدة من المستشفى الجهوي. كانت الآلام تهز الحاضرين في سفح جبل تكرونة. تكرونة التي طالما تنفس فيها العالم الحرية وعبق التاريخ الضارب في القدم. تحزن تكرونة اليوم لفقدان إحدى بناتها المدللات اللاتي استأثرن بقلوب التونسيين خاصة بعد ظهور مريم في برنامج تلمذي لتكرّم زوجة أبيها لحسن المعاملة والعشرة الحسنة بعد فقدان أمها.

كان شكري الذهبي يحدثنا دامعًا وقد أخذت منه نوائب الدهر بصرًا وزوجة وابنة (ماهر جعيدان/ ألترا تونس)

عاشت مريم يتيمة الأم بعد فقدانها في حادث مرور واعتنى بها أبوها “شكري الذهبي” الذي كانت تناديه “شوكو”. التقينا الأب الضرير شكري في بيته و كان جالسًا على كنبة يتقبل تعازي الأهل وكانت رائحة مريم في كافة الأرجاء. كان ملتاعًا، وخصّنا بتصريح قائلًا “كنت أتمنى أن أموت قبل أن يبلغني نبأ وفاة مريم ..كان خبرًا صاعقًا.. كنت مساء الحادثة أتّصل بها بالهاتف فلا تردّ وسيول المطر تنهار وخوفي يشتد آملًا أن تسرع بالرجوع إلى المنزل ولكن كان القضاء أعجل”.

عاشت مريم يتيمة الأم بعد فقدان أمها في حادث مرور (ماهر جعيدان/ ألترا تونس)

كان شكري يحدثنا دامعًا وقد أخذت منه نوائب الدهر بصرًا وزوجة والتحقت بهما ابنته المدللة. و كان يشكو عدم اتصال أي مسؤول به، موجهًا نداءً إلى رئاسة الدولة والحكومة بأن يتدخلا لوقف هذا النزيف ومحاسبة المقصّرين الذين أودوا بحياة شابتين في بالوعة و مواسير مياه في زمن أصبح العيش بكرامة أملًا.

عبد اللطيف حمودة (رئيس بلدية النفيضة):  بلدية النفيضة لا تتحمل أي مسؤولية في حادثة غرق “مريم الذهبي”، لأن الطريق الذي جدت فيه الحادثة من مسؤولية وزارة التجهيز والإسكان

اتصلنا بعد ذلك برئيس بلدية النفيضة عبد اللطيف حمودة الذي خصنا بتصريح قائلًا: “نعيش كارثة جديدة بوفاة “مريم” إثر الأمطار الأخيرة بعد فقدان فتاة في طريق الفرادة العام الفارط. وأريد أن أعلم الرأي العام والسلط  أن بلدية النفيضة لا تتحمل أي مسؤولية في حادثة غرق “مريم الذهبي”، فالحادثة كانت على الطريق المرقمة رقم 1 وهي من مسؤولية وزارة التجهيز والإسكان، وقد قمنا بواجبنا كمجلس بلدي بجهر وتنظيف مواسير تصريف مياه الأمطار وحوّلنا مراسلات إلى الادارة الجهوية للتجهيز في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الفارط. وقد طالبنا مرارًا بالصيانة كما طالبنا مجمع صيانة المنطقة الصناعية بتحمل مسؤوليته إثر معاينة لاهتراء البنية التحتية إلى أن أصبح الأمر مقلقًا ولا يطاق. وقد طالبنا مرارًا بضم أشغال صيانة المنطقة الصناعية لبلدية النفيضة أمام الحالة الكارثية التي تشهدها البنية التحتية هناك، لكن دون جدوى”.

من جهته، قال منذر الساعي المدير الجهوي للتجهيز الذي التقيناه في مقر الادارة الجهوية للتجهيز بسوسة: “الحادث كان في إحدى المفترقات على الطريق الوطنية عدد 1 كلم 100 وذلك إثر أمطار غزيرة في الجهة، وللتوضيح لم تكن بالوعة مثلما تم ترويجه إعلاميًا، وإنما خندق أرضي متصل بمواسير تصريف مياه الأمطار وهذا الشكل من المنشآت المائية موجود في كافة الطرقات. وإثر الحادثة حضر فريق من وزارة التجهيز لمعاينة المكان وقام بفتح تحقيق إداري بالتوازي مع التحقيق القضائي في الحادثة”.

الخندق الذي سقطت فيه “مريم” (ماهر جعيدان/ ألترا تونس)

وأضاف الساعي أن “هذه المنشأة المائية تم إنشاؤها من طرف الوكالة العقارية الصناعية سنة 2007 إثر أشغال تهيئة للمنطقة الصناعية ولابد من التذكير أن مجمع صيانة المنطقة الصناعية يتكفل بصيانة البنية التحتية في المنطقة”.

رحلت “مريم” عند ربّها وخلّفت وراءها أبًا ملتاعًا وزوجة أب مقهورة وأختًا مكلومة وأسرة منكوبة. وهناك في الشوارع ترتفع الأصوات والبيانات والنداءات، كلّ حسب أجندة طلباته الماضية والحاضرة والمستقبلية. وتقابلها هناك لجان واجتماعات وتقارير مرفوعة وتبريرات مكسورة وتحقيقات منصوبة. وبين هذا وذاك، قد تضيع الحقوق.

رحلت “مريم” واستقر جثمانها في مقبرة تكرونة، تلك المدينة التاريخية التي طالما احتفت بزوارها، هاهي تحتضن في ترابها ابنتها “مريم” في سفح جبلها ولسان حال قومها يقول “إلى متى التهميش والنسيان؟”.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع الترا تونس

شاهد أيضاً

خلال اجتماع لجان الصحة والأمن والدفاع في البرلمان: محاولات لتفادي دخول السلالات المتحوّرة لكوفيد- 19 إلى تونس.. واليوم اجتماع اللجنة العلمية للتقييم

• الفضاء الافتراضي والسجون أكثر الفضاءات التي تعتمدها الجماعات الإرهابية للاستقطاب عقدت أمس الاثنين عدد …