الأربعاء , 21 فبراير 2024
الرئيسية / المقالات الرئيسية / تنقيح المرسوم 116 : لا أحد يدخل حربا ضدّ الصحفيين، و يربح

تنقيح المرسوم 116 : لا أحد يدخل حربا ضدّ الصحفيين، و يربح

ظلّ مهنيو قطاع الاعلام وطليعته (في تونس، كما العالم) يفكرون لسنوات في مأزق مهنة الصحافة في القرن 21 وارتباط الأزمة الهيكلية بالتغيرات الاجتماعية والتطور التكنولوجيّ والمنوال الاقتصادي غير المُجدي للمؤسسات الاعلامية، لكنهم لم يعرفوا للأسف أنّ نواب ائتلاف الكرامة المُخضرمين ذوي الأطروحات والشهائد العلمية المُختصة والدراسات المقارنة وخبرة عقود وجدوا الحلّ ! لا بطالة للصحفيين بعد اليوم !

كتلة المناولة لمصالح الغير- ائتلاف الكرامة، لا يصيبها حرجُ تغيير “ثوابتها” كلّ بضعة أسابيع لتخدم مصالح فاعل سياسيّ جديد، وهكذا تضمن استمراريتها. بعد أن كانت لمدّة تخوض بالوكالة معارك النهضة- واصلت الكتلة في الانسجام مع نفسها مارّة من اعتبار نبيل القروي “عدوّا يمثل أحد بارونات مافيا الاعلام” الى التحالف معه لتمرير قانون ضدّ الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. عبد اللطيف العلوي، القيادي الدعوب في الائتلاف المُنسجم الكرامة، يُعدّ مثالا في الثبات على المواقف، اذ صرّح الرجل أن “القنوات الخاصة يمكن أن تسبب حربا أهلية” متحدثا عن الحرب الأهلية في رواندا التي سببتها اذاعة واحدة، ليؤكد في تصريح ثان أن فتح مزيد من القنوات الخاصة هو الحلّ لأزمة الاعلام..

صمتا أيّها الصحفييون، نحن نعرف مصلحتكم

لنلخّص أحداث الاسبوع المنقضي في مجلس النواب حيثُ تؤسس النُخبة للتشريعات وتصادق على القانون المنظم ليوميّ التونسيين: النائب راشد الخياري يمجّد علنا عملية ارهابية شنيعة، توجيه تهمة التحرش بقاصر والتجاهر بالفاحشة للنائب زهير مخلوف، وتعنيف النائب عبد اللطيف العلوي (الخبير الفذّ) زميلته عبير موسي بقارورة مياه. قد يظن العاقل، أن أولى جلسات الأسبوع ستخصص لمناقشة هذه العربدة، وتصدير المؤسسة التشريعية للكراهية وتطبيع الارهاب والعنف المسلط ضد النساء، لكنّ الأولوية وفق مكتب المجلس هي مناقشةُ مقترح ائتلاف الكرامة لتنقيح الفصل السابع من المرسوم 116 المنظم لحرية الصحافة– لأن ذلك هو المنطق السليم، على ما يبدو.

 تنصّ هذه المبادرة المتكونة من 3 فصول، على تعديلات للمرسوم 116 لسنة 2011، تتعلّق بتركيبة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري الحالية وتجديدها وحذف صلاحية إسناد الإجازات التي تمنحها الهيئة لإحداث القنوات التلفزية، بالإضافة إلى إقرار مبدأ مجّرد التصريح بالوجود للوسيلة الإعلامية. لا يقل  مبدأ إلغاء الإجازة لإنشاء تلفزات وإذاعات (فكرة تعود في الأصل إلى قلب تونس) خطورة عن هدم فلسفة استقلالية هيئة الرقاية والتعديل، التي يُعين فيها أعضاء على أرضية تشاركية بين كل من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، جمعية القضاة، نقابة الصحفيين، نقابة الثقافة و الإعلام، و نقابة مديري المؤسسات الإعلامية والمرور  الى هيئة صورية تعبث بها الأحزاب ويقع انتخاب أعضاءها “بالأغلبية ” في مجلس النواب ليصبح لكلّ حكومة وكلّ مجلس الهايكا الخاصّة به.

يريد ائتلاف الكرامة –المعروف بمعاداته للصحفيين ومهاجمة قياداته للاعلاميين والنقابيين– تحويل الهايكا الى وزارة للاعلام يعيّن فيها الأعضاء بالولاءات. يسعى الائتلاف الى  افراغ الهيئة من ضماناتها الدستورية  التي تلتزم فيها الدولة التونسية بضمان وحماية حرية التعبير والإعلام، من خلال تأسيس هيئة عمومية مستقلة  تقوم بدور مؤسسة تعديلية تسند الإجازات للإذاعات والتلفزات وتضع القواعد المنطبقة على مجال الاتصال السمعي والبصري وتسهر على احترامها. لنتجاهل قليلا، تاريخ ائتلاف الكرامة في تكفير وتشويه أعضاء الهايكا، ولنتجاهل معركة مالك قناة نسمة ورئيس قلب تونس مع الهايكا، ولنصدقّ حجة “تحرير قطاع الاعلام” : فيم يتمثلّ التحرير اذا لم يكن تحرير الصحفيّ، الذي يبدأ بمراجعة واصلاح التكوين النظري  وينتهي بالغاء اشكال التشغيل الهشّ ؟ التحرير بمعناه الليبرالي البدائي أي زيادة أعداد وسائل الاعلام مقابل أزمة المحتوى وأزمة الاشهار التي تعيشها الصحافة التونسية ليس الا ذريعة لفتح دكاكين اعلامية غير مهنيّة دون رقابة أو تعديل تمرر المحتوى الذي تشاء هذه الأطراف ومن ورائها حاضنتها الفكرية. هذا “الحلّ” ليس الا اعادة انتاج للأزمة عبر زيادة كمّية لا يقابلها تطور نوعيّ للصحافة التونسية أو اصلاح للهيكلية الاقتصادية للمؤسسات. يقول يورغن هابرماس ” وجود الدولة الديمقراطية يستوجب صحافة إخبارية جادة.” جادة، وليس، كثيرة. لكن من هو هابرماس، وهل يدرك هذا الفيلسوف الالماني  أزمة الاعلام أكثر من عبد اللطيف العلوي؟ لا طبعا.

 الكرامة وشركاؤها لا علاقة لهم بالأزمات الحقيقة لهذا القطاع، ولا هدف لهذا التعديل البليد سوى اغراق الفضاء العام بحوانيت إعلاميّة  للتحكم في تسيير الشأن السياسي والتأثير في  الرأي العام الانتخابي. نحنُ لا نحتاج محتوى اعلامي “أكثر” بل نحتاجا اعلاما أفضل. والتعددية الاعلامية التي يتحدث عنها  نواب قلب تونس، لا يمكن أن تكون تعددية مارقة دون تنظيم أو رقابة وبمحتوى غير مهني، لا يستجيبُ للأخلاق ولا للقواعد الصحفية (لأنه سيكون محتوى للتلاعب بالرأي العام). هل قام اقتراح ائتلاف الكرامة  على أسس علمية  تدرسُ الظواهر الاعلامية وصحافات العالم و التجراب المقارنة؟ هو مقترح انطباعيّ لا قيمة حقيقة له.

التمهيدُ للـ “ميديا-قراطية”

لا يخفى أنّ ازاحة “عقبة” هيئة تعديلية مستقلة ومحصنة ضد تأثيرات مراكز النفوذ السياسي والمالي من طريق الأطراف السياسية المساندة للتنقيح (النهضة، قلب تونس والائتلاف) سيفتح لها المجال لتحويل الاعلام الى أداة تحكم بالمزاج العام وتسيير الشأن السياسي وتبييض الفساد والارهاب وتمرير خطابات التحريض ومعاداة الحريات العامة. لكن (افتراضيا) من سيكون وراء تمويل  هذه المؤسسات الجديدة التي تحصلت بفضل الكرامة على رُخصها، هل للاعلاميين والصحفيين القدرة على فتح مؤسسات اعلامية جديدة ومؤسساتهم تعاني سالفا من أزمات مالية تهدد بافلاسها ؟ الاجابة واضحة، اللوبيات السياسية والمالية، رجال الأعمال، التمويلات الخارجية، وحتى المهربون والارهابيون.  وفق منطق الكرامة، هذه الأطراف ستصنع مشهدا اعلاميا جديدا “نزيها وحرا ومتعددا”.. طبعا هذه الفكرة لا تحتاج لفقرة لتفسير هنّاتها المنطقية، فلن يستثمر هؤلاء من أجل درء البطالة أو تحويل الصحافة الى قطاع مشغل مساهم في الاقتصاد الوطني، بل سيستثمرون من أجل أجنداتهم التي قد تهدد السيادة الوطنية والسلم الاجتماعية وتجازف بسحب الصراعات الاقليمية الى الساحة التونسيّة والمخاطرة بتجربة الديمقراطية الناشئة، ولن يكون نواب الكرامة الذين يمتهنون التكفير والتشويه والخطاب التحريضي والميزوجينيا حُماة المحتوى الاعلامي “الراقّي”.

الميدياقراطية هي تعويض حكم الشعب (الديمقراطية) بحكم الميديا- أي سيطرة وسائل الاعلام. وهي تجليّ للعنف الذي يمارسه الفاعل السياسي على العقل الجمعيّ لاخضاعه. قد تكون استخداما للاعلام في نظام ثيوقراطيّ أو رجعي لفرض صورة مزيفة عن الحقيقة وخداع المتلقي/المواطن للسيطرة عليه، وقد تكون أحيانا مغلفة بهكذا مبادرات تشريعية في ظاهرها تجسيد لقوة اقتراح ممثلي الشعب المنتخبين وفي باطنها سياسة تستخف بالعقول وتفترض أنه يمكن السيطرة على الجماهير وتوجيهها عبر الاعلام. وفقا لهذا التمشي، فان ائتلاف الكرامة وشركاؤه يعتبرون المواطن/ الناخب متلقيا قاصرا سهل التاثير والتلاعب بقدرته على الاختيار، وليس مواطنا واعيا وشريكا في الشأن العام والدولة. ان هذا التعديل المقترح يتنزل في سجل مقاربة التحكم بواسطة الاعلام (La Média-cratie)، والعقل المدبر وراء فكرة الغاء نظام الاجازة يعلم جيدا ذلك لأنه استغل هذه المقاربة لبيع الوهم للفئات الأقل حظا  والفوز في الانتخابات التشريعية.  مثلما يستغل نواب ائتلاف الكرامة صفحاتهم على فايسبوك  للتحكم في إنتاج الحقيقة ونشر مغاطات وتشويه وتحريض، غدا سيستغلون المنصات الاعلامية التي يُمهدون لها لمواصلة سلوكهم السام وتشويه قدرة المواطن على تحليل وفهم الواقع. انّ ما يسعى له هؤلاء هو نظام اعلامي فاسد يلغي المواطنة، ويهدد بالفوضى. واذا أراد الثلاثيّ الذي “يخاف على الصحافيين من البطالة” اصلاح قطاع الاعلام، يمكنهم استشارة المُختصين في الاعلام ومهنيي القطاعة وأكاديميوها، الذين يعلمون جيدا أن أزمة الصحافة في تونس ليست أزمة كمّ أو تعدد وأن الحرية والتعددية ليسا الضامن الوحيد لحل الأزمة، وأن الاشكال أعمق من تعاطي الكرامة وقلب تونس السطحّي، والمخادع. لكن النوايا الفاسدة أزاحت مشروع تنقيح المرسوم 116 الذي جمع استشاريا الهياكل النقابية والمجتمع المدني ليتم استبداله بمشروع مشبوه.

  من ايجابيات هذه المبادرة أنها خلقت وحدة تضامنية مع الاعلام والهايكا تضمنت القوى التقدمية والنواب المؤمنين بحرية الصحافة واستقلالية الهيئة التعديلية، الأطراف ذاتها التي كانت حاضرة في كلّ امتحان للدولة المدنية والمسار الديمقراطي والحريات العامة وستكون حاضرة في المعارك القادمة كقانون جزر الاعتداءات والمحكمة الدستورية، من الهياكل النقابية كنقابة الصحافيين ونقابة الاعلام التابعة لاتحاد الشغل والمنظمات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والهئيات العمومية والدستورية وقطاعي القضاء والمحاماة. التفاف هؤلاء حول حرية الصحافة، مردّه  الايمان بمبادئ دستور الجمهورية التونسية، الدستور الذي على ساكن قرطاج  أن يسهر على احترامه. لاستقراء موقف رئيس الدولة قيس سعيد لا يوجد أوضح من بلاغ رئاسة الجمهورية مساء أمس  الذي حذر من “خطورة خرق أي مبادرة تشريعية لأحكام الدستور أو خضوع بعض المبادرات لحسابات ومصالح الأحزاب أو اللوبيات السياسية والإعلامية.”

مبادرة حتّى وان مرت سيقوم سعيّد بارجاهما للبرلمان، وهكذا يخرجُ الائتلاف خاسرا على كل الجبهات مرة أخرى : عداوات جديدة، هزيمة برلمانية، هزيمة سياسية أخرى، ومُقاطعة من وسائل الاعلام.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع بيزنس نيوز

شاهد أيضاً

إحداث 27 هيئة فرعية استعدادا لتنظيم انتخابات أعضاء المجالس المحلية

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في بلاغ لها اليوم الثلاثاء، عن إحداث 27 هيئة فرعية …