السبت , 13 أغسطس 2022
الرئيسية / المقالات الرئيسية / زجر الاعتداءات على الأمنيين- عودة ناعمة لنظام بوليسي!

زجر الاعتداءات على الأمنيين- عودة ناعمة لنظام بوليسي!

أحدُ أهّم سبل ارساء السلم الاجتماعيّـة هو سحب العصا الغليظة للقوّات الأمنية وفرضُ مصالحة بين الأمني والمواطن تقوم على فلسفة ضبط الحكم الأمني في سجل “الأمن الجمهوري” الذي لا يمثل أداة قمعية للدولة مثلما هو الحال في الأنظمة الأحادية والرجعية والبوليسية-  بل شريكا في بناء الديمقراطية وتحصينها.

 من سُخرية القدر، أن المتظاهرين ضد هذا القانون، أمام مجلس النواب، اليوم 6 أكتوبر 2020، جُوبهوا بالعنف البوليسي: ليُثبت الأمنيون أنهم في حاجة لقانون يحميهم من شر الاعتداءات، قاموا بالاعتداء على المتظاهرين. فربما نحن بحاجة الى قانون زجر الاعتداءات على المواطنين- العُزل!

بمباركة أحزاب تتدعي أنها “تقدميّة” كالتيار الديمقراطي، وأخرى تتباهى بنيشان النضال ضد القمع البوليسي أيام “الجمر” وصكّ الثورية الحصري كالحزب الاسلامي النهضة وسيستام المناولة الموالي له ولاء أعمى ; ائتلاف الكرامة، وبتعديل من كتلة الدستوري الحرّ (التي تعتبر حرية التعبير هرطقة يوتوبيّة)، صادقت لجنة التشريع العام، على مشروع قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين في نسخته المعدلة بعد حذف عدة فصول من نسخة 2015. واذ أردنا تلخيص المبادرة، لنقل أنها مجموعة فصول تلغي مبادئ المساواة أمام القانون والمحاكمة العادلة وتفرض قيودا على حرية التعبير عبر مفاهيم غير دقيقة ومصطلحات فضفاضة تكرس الطابع الزّجري و تقترح التشديد في العقوبات السالبة للحرية.

يُعرض المشروع للتصويت – بعد أن ضمنت جهة المبادرة (وزارة الداخلية) دعم الائتلاف البرلماني المساند للحكومة. تتضمن النسخة المُعدّلة  15 فصلا مُعوّما يفتح باب التأويلات لعدد من المفاهيم على مصراعيه، ويقزّم دور السلطة القضائية، وينسف “رفاهية” حرية التعبير والصحافة والنشر التي لا يجب أن تتطرق الى مسائل “ماورائية” كالعنف  البوليسي مثلا. وفاء لمبادئه، اقترح الدستوري الحرّ الفصل الذي  يلخص فلسفة نظام بن علي  في محاكمة معارضيه وصحافييه ومواطنيه بتهمة تعكير صفو النظام العام، اذ يقترح الدستوري الحر عودة العقوبات السالبة للحرية في مجالي الصحافة والتعبير حيث يعاقب وفق الفصل 11 مكرر من مشروع القانون بالسجن من 3 أشهر الى 3 سنوات كل من تعمد “المس من كرامة وسمعة قوات الأمن الداخلي والديوانة” (طبعا دون تحديد تعاريف للمس من الكرامة أو تحطيم المعنويات) بالقول (أيّ قول؟ في الطريق العام أو في الاعلام  أم في محادثة شخصية) أو الاشارة (نقد، توصيف، موقف فكري؟ وفي أي سياق؟) أو الكتابة أو الصورة (وهما أساس أي عمل صحفي)… لكن هذا الفصل، ليس الأخطر.

في تعريفه يهدف القانون حماية قوات الأمن الداخلي والديوانة من “التهديدات الجدية والاعتداءات التي تمسّ من السلامة الجسدية للأعوان أو بحياتهم أثناء أداء وظيفتهم كما تشمل الحماية عائلة أعوان الأمن، أزواجهم وأصولهم وفروعهم (بأقصى العقوبات) وسياراتهم ومنازلهم (عقوبة ذلك 6 سنوات) إضافة للمقرات والمنشآت الأمنية”. وبما أن المشرع لم يحدد نوع الاعتداء أو تعريفا دقيقا للمس من سلامتهم، أو حصرا للفظة التهديدات، لن يتضمن القانون تشريعا لعلوّ الأمني عن القانون فقط- بل علوّ عائلته وأبنائه وممتلكاته مهما كان نوع “التهديد”  فسيكون مسّا من المقدسات يرمي بمُرتكبه في السجن لسنوات. كما سيضاعف مشروع القانون العقوبات الواردة في المجلة الجزائية في جرائم الاعتداء على الحرمة الجسدية لذوي الأمني (عائلته) المرتبطة بأدائه لمهامه أو بصفته.

وبقدر ما تبدو الفصول السابقة عبثية، لنلقي نظرة على هذا الفصل : يلغي القانوني، المسؤولية الجزائية لعون الأمن عند قيامه بمهمات أو تدخلات حين يجد نفسه في وضعية “مباغتة” بسبب مواجهته لخطر محدق وجسيم ناتج عن اعتداء حاصل أمامه أو على وشك الحصول حتم عليه التدخل باستعمال القوة المناسبة بواسطة السلاح أو بغيره من الوسائل بقصد منع ارتكاب جناية أو إعادة ارتكابها ضد الأشخاص أو المنشآت الأمنية ونتج عن ذلك أضرار مادية أو بدنية أو وفاة. لفظة واحدة يمكن أن تفسر هذا الفصل، الافلات من العقاب! يعني ذلك أن عون الأمن له “حصانة”  ولن يعاقب عند استخدامه القوة التي تحدث عنها اضرار بدنية أو وفاة، أيّ أن له الحق في استخدام سلاحه حين يواجه خطرا (دون تحديد نوع الخطر، قد يكون مظاهرة أو احتجاجا أو سوء تفاهم بين أمني أو مواطن أو سيارة لم تمتثل للوقوف..) أو على وشك حدوث خطر (دون  معنى لفظة “على وشك” هل يكون للأمني السلطة التقديرية لتحديد الخطر القريب ؟) أو بقصد منع ارتكاب جناية (أي قصد منع ارتكاب جريمة يحق للأمني قتل المتهم، أو الحاق اضرار بدنية به ؟)   لم يكلفّ المشرع نفسه تدقيق المصطلحات المستخدمة  ولنواجه الامر، ليس هذا المشرع من صفوة القوم ونخبة رجال القانون. حين تكون المفاهيم والمصطلحات غير دقيقة من حيث الدلالة فإن الباب يصبح مفتوحا للتقديرات العاطفية والتأويلات الواسعة لكلمات مثل “التهديد، العنف، الأمن العام” وغيرها مما يعني في مرحلة أولى تشديد العقوبة على المعتدي ايا كان نوع الاعتداء والتساهل المطلق مع الأمني دون عقوبة جزائية حتى اذا وصل الأمر الى المسّ من الحق في الحياة الذي يكفله الدستور واستخدام القوة المُميتة (دون محاكمة عادلة للمجرم..) مع ترك التأويل للأمني نفسه في تحديد معنى “الخطر” و”مبرر” استخدام سلاحه!

يتجلى التوظيف السياسي لهذا القانون في أنه يطرح عبر استعجال النظر مع كل تهديد ارهابي، وتم ذلك في ثلاثة مناسبات تلت جميعها عملية ارهابية في 2015 ثم 2017 واخرها بعد عملية أكودة في سبتمر 2020. يعتبر القانون أداة سياسيّة  لافراغ كل الضمانات الدستورية  للحريات العامة وحرية التعبير من محتواها تذرّعا بمقاربة الأمن مقابل الحرية.

الأصوات الرافضة لهذا الشمروع لم تغير موقفها منه منذ 2015 حيث تؤكد نقابة الصحفيين التونسيين أن مشروع القانون هو محاولة لإعادة دولة البوليس عن طريق تأليه المؤسسة الأمنية. جمعية القضاة من جهتها، وصفت مشروع القانون بأنه “مرحلة خطيرة نحو مأسسة الإفلات من العقاب في القطاع الأمني ” مشددة على أن إجازة استخدام الأمنيين للقوة القاتلة تتناقض مع القانون الدولي العام. هيئة المحامين بدورها، تعتبر أنّ  قانون زجر الاعتداءات  يخالف عدة مبادئ دستورية منها مبدأ المساواة عبر خصّ فئة معينة من المواطنين بنص خاصّ لحمايتهم دون غيرهم  وتمكينهم من حصانة مطلقة لم يحظ بها حتى رئيس الجمهورية. الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان  كذلك رفضت المشروع قطعيا لما يحمله من فضول تهدد الحق في الحياة وتشرع استعمال السلاح الأمني للقتل دون محاكمة. العفو الدولية  طالبت في بيان لها  مجلس نواب الشعب برفض مشروع قانون زجر الاعتداءات علي القوات المسلحة واعتبرت أن مشروع القانون من شأنه أن يعزز إفلات قوات الأمن من العقاب، ويحميها من أية مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية.

الترسانة القانونية التونسية لا اثر فيها لفراغ تشريعي على مستوى حماية الأمنيين حتى يتطلب الأمر قانونا “أساسيا” جديدا. على سبيل الذكر لا الحصر يتمتع الأمنيون بحماية:  القانون الأساسي عدد 70 لسنة 1982 المتعلّق بضبط القانون الأساسي العام لقوّات الأمن الدّاخلي والقانون عدد 46 لسنة 2005  الشهير بتجريم  “هضم جانب موظّف” الى جانب الأمر عدد 784 لسنة 1984 المتعلّق بضبط النظام الأساسي الخاص بإطارات و أعوان الأمن و الشرطة. كما يتضمن الأمر عدد 406 لسنة 1972 النظام الأساسي الخاص بأعوان الحرس الوطني، والقانون عدد 4 لسنة 1969 الذي ينظم استخدام الأمنيين للقوة أثناء الاعتداء عليهم في المظاهرات أو اثناء حمايتهم لمؤسسات الدولة خلال عملهم اليومي أو طلب التوقف والامتثال من مواطنين أو سيارات وغيره من  الفصول التي تشرع للأمني حماية نفسه.

لا تعني معارضة قانون يؤسس لفوقيّة الأمني على المواطن تحقيرا لدور الامني وانكارا لتضحيات هذه المنظومة الوطنية في الحرب على الارهاب والجريمة  لكن المشروع سيهدم  كلّ محاولات بناء علاقة صحية بين الأمني والمواطن عبر عزل الأمني عن دوره الاجتماعي وتضخيم الهوة بينهم مما سيزيد في قتامة صورة ‘البوليس” و “الحاكم” في المخيال المجتمعي –  اذ يبدو أنّ هذه العلاقة، يجبُ أن تبنى حصرا على الرّهبة والترهيب وليس على الاحترام والتشاركية.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع بيزنس نيوز

شاهد أيضاً

نقابة الصحفيين تندّد بتصاعد التهديدات في حق الصحفيين و تحذر من خطورة تكرر الاعتداءات

في بيانٍ لها اليوم الثلاثاء 9 أوت 2022، ندّدت النقابة الوطنية للصحفيين بتصاعد التهديدات في …