الإثنين , 30 نوفمبر 2020
الرئيسية / المقالات الرئيسية / كورونا- المواطن والدولة شريكان في الأرقام المفزعة

كورونا- المواطن والدولة شريكان في الأرقام المفزعة

المقاهي والمطاعم مفتوحة، دور الثقافة والمسارح مُغلقة. القطاع العمومي سيعمل نصف التوقيت بأجر تامّ، والقطاع الخاص لن يتمتع بأيّ اجراءات. حجر صحيّ وحظر تجول في الولايات التي تشهد تفشيا سريعا للفيروس، بينما ولايات تونس الكبرى التي تعد بؤرا للانتشار المجتمعي- وهي الأكثر اكتظاظا على المستوى السكاني- لن تشملها أيّ اجراءات توقيّ. خطابُ رئيس الحكومة هشام المشيشي الذي أعلن فيه عن حُزمة من الاجراءات للسيطرة على الوضع الصحي، ترك التونسيين مُرتبكين بشأن مدى نجاعات قرارات القصبة.

 ارتباك يمكن استبطانه في اليوميّ للتونسي الذي لم يعد يعلم كيف يتصرف، وأصبح سلوكه مرتهنا بسلوك المجموعة التي يجد نفسه ضمنها وليس وفق ما تقتضيه التعليمات. بحذر، ان وجد نفسه محاطا بأشخاص يحترمون التباعد واجراءات السلامة سينصاعُ لتقليد سلوكهم، وان وجد نفسه ضمن مجموعة تتفّه خطر الفيروس فسيحس نفسهُ مرتابا وحائرا تجاه الالتزام بارتداء كمامته والتباعد أم أنّه وحده من يعيش تهويلا وهيستيريا. يوجد استثناءات على الجانبين في حديّ التناقض، يوجد من يعيش حالة رعب  ويوجد من يعيش حالة لامبالاة وفي خضم ذلك يواصل الجميع التعايش مع الفيروس بينما عدد الاصابات اليومي تجاوز معدل الألف اصابة في الأربع والعشرين ساعة، وللاسف انسحب ذلك على عدد الوفايات الذي شهد ارتفاعا كذلك- وطاقة استيعاب المستشفيات التي تزداد ضيقا وانحصارا كلّ يوم ومن المتوقع أن تصل للاكتفاء  الأقصى في غضون اسابيع. تتواصل تحذيرات الأطباء والدعوة الى المسؤولية والوعي بخطورة المرحلة، ويتواصل تعويل الدولة على “وعي المواطن” الذي يعوّل بدوره على “قرارات الدولة”. في رقم كارثي لليوم، سجلت تونس بين يومي 2 و3 أكتوبر 2509 حالة  جديدة وارتفع  عدد الوفايات الى 321 بعد أن بلغ يوم 1 أكتوبر 276 حالة مما يعني تسجيل 45 وفاة في يومين. ارتفع عدد المرضى في المستشفيات الى 440 حالة منهم 116 بالعناية المركزة و45 تحت جهاز التنفس الاصطناعي.

هل سنكون أمام سيناريوهات موجعة وكارثية، هل سيكون علينا في مرحلة ما أن نختار من يعيش ومن يموت- اسئلة مؤرقة وصعبة لكنها مشروعة في ظل الانتشار السريع ونفاذ الاسرة بالمستشفيات. لا مجال للعودة للحجر الصحي العام لما في ذلك من كلفة اقتصادية قد تدفع بتوازناتنا المالية للانهيار. جزء كبير من حالة الارتباك العامة تعود لغياب استراتيجية اتصالية واضحة تجمع دوائر القرار، فنجد أن تصريحات وزير الصحة ورئيس الحكومة والقرارات الجهوية غير متناغمة على مستوى الشكل والمضمون وتترك انطباعا بعدم وحدة القرارات والترابع عن بعض الاجراءات الأخرى بعد الاعلان عنها.

في جلسة حوار مع اعضاء الحكومة افتتح بها البرلمان اشغال دورته النيابية الثانية، أعلن وزير التربية فتحي السلاوتي تسجيل 416 حالة إصابة بكوفيد 19  في المؤسسات التربوية منذ  تاريخ العودة المدرسية  منها 180 إصابة في صفوف التلاميذ و168 إصابة بين المدرسين و46 حالة في صفوف أعوان التأطير و22 بين العملة. السلاوتي لم يكن هادئا ومتفائلا مثل وزير الصحة، بل  أكد أن وزارة  التربية تسنعد حاليا للاسوأ  واغلاق بعض المؤسسات في الجهات الموبوئة. الوضع في الجامعات لم يكن مختلفا حيث أكدت وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي ألفة بن عودة وضع خطة للدروس عن بعد سيتم تفعيلها  اذا تعقدت الأوضاع  الصحية على مستوى وطني أو جهوي غير مستبعدة الدمج بين منظومة التعلم عن بعد والتعلم الحضوري.

في الجلسة ذاتها، كانت أغلب أنظار واسماع النواب مركزة على كلمة رجل المرحلةوزير الصحة الجديد فوزي مهدي لكن كلمة الرجل لم تكن شافية ولم تتضمن اي اضافة، بل حملت معلومات عامة عن استراتيجية الوزارة كان قد كررها في أكثر من حضور اعلامي مما جعل كلماتلا النواب تكون في مجملها انتقادات موجهة الية وتساؤلات عن ميزانية صندوق 1818. ورغم  أن الوزير ركّز في كلمته على ضرورة التلقيح الموسي ضد الانفلونزا العادية، فان الجرعات التي قامت باقتناءها تونس في المرحلة الاولة قد نفذت تماما في أقل من اسبوع حيث شهد التلقيح ضد نزلات البرد ارتفاعا غير مسبوق هذه السنة.

شدد فوزي مهدي على الصرامة في تطبيق البروتوكوات الصحية، مشدد أن العودة للحجر الصحي الشامل ليس مطروحا وهو قرار مستبعد وغير ممكن. واستدرك الوزير أنه يمكن اعتماد الحجر الصحي الجزئي في الولايات والمعتمديات المعتبرة مناطق حمراء خطرة، مع الاستمرار في قرار حظر التجول في المدن التي تشهد العديد من بؤر تفشي الوباء وأكد الوزير على أن تونس ستتجه الى التعايش الحذر  مع الفيروس كمنهج حياتي جديد الى غاية التوصل لتلقيح.

في نفس الجلسة أعلن وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي أن الدولة لن تتراجع عن دورها الاجتماعي في مساندة مواطنيها أثناء الموجة الثانية. وتابع أنه خلال شهر أكتوبر الحالي سيتم صرف مساعدات مالية استثنائية لفائدة 2200 من أصحاب التصاريح بالوجود و6000 من أصحاب البطاقات المهنية.
ولخصا دور الدولة في الموجة الأولى، كشف الوزير أن  المساعدات المالية  كانت لـ 376.413  عامل فقدوا مواطن شغلهم بسبب الازمة  وبلغت كتلة المساعادات المالية 75 مليون و280 ألف و600 دينار. وأكد أن المساعدات الظرفية  بلغ قدرها 22 مليون دينار.

انتظر  التونسيون قرارات أكثر صرامة من الخطاب المتلفز لرئيس الحكومة، كاعلان حظر تجول جزئي أو تأجيل الدراسة، لكنّه المشيشي اعلن أنه لن يستثمر في الخوف وأن قرارته ستكون واقعية وتراعي مصلحة الجميع، من التلاميذ والطلبة الذين خسروا بالفعل اشهرا من مسيرتهم الدراسية الى اصحاب المقاهي والمطاعم الذي بدؤوا للتو بالتعافي البطيء من اجراءات الغلق الأولى، الى استمرارية الدولة وعدم اغلاق المؤسسات الحيوية والادارات. الكمامة والتباعد والتفاصيل البسيطة هي التي سيكون لها دور كبير في الحد من انتشار الفيروس، والوعي هو المفتاح بالنسبة للقصبة، ومن المحتمل اتخاذ اجراءات اضافية في الاسابيع القادمة. تتلخص الاجراءات الجديدة في الزامية ارتداء الكمامة في كل الفضاءات ومنع جميع التجمعات والتظاهرات الرياضية والسياسية والثقافيةن غلق المسارح وقاعات السينما، تعديل نظام  العمل الى الحصة الواحدة و حظر التجول لـ15 يوما في المناطق المصنفة شديدة الخطورة.

 وجه المشيشي رسالة طمأنة للتونسيين مفادها الترفيع في عدد الاسرة في القطاع العام من 400 سرير الى ما يزيد الى 1200 سرير. وفي القطاع الخاص أشار المشيشي  الى أنه من المنتظر الترفيع في عدد الاسرة من 100 سرير الى 700 سرير في موفى شهر أكتوبر 2020 و 420 سرير انعاش في شهر نوفمبر.  لكن هل يكفي ذلك، مقابل الارتفاع غير المسبوق والتضاعف المستمر لأعداد الاصابات الجديدة، رغم أننا مقارنة بالوضع في العالم لسنا في منعرج خطر أو في وضع كارثي لكن في وقت الأزمات يجب استباق الكارثة والتخطيط لها قبل فوات الأوان. كلاهما، المواطن والدولة شريكان في الوضع الحالي والخطر المستقبلي، سواء عبر التراخي والاستهتار وعد الالتزام بالتعليمات أو فتح الحدود والغاء التحليل والبنية التحتية المهترئة للصحة العمومية.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع بيزنس نيوز

شاهد أيضاً

2020 في تونس.. سنة الجوائح المناخية والصحية والسياسية

استبشر التونسيون بحلول سنة 2020، وتغنّى الكثيرون في مطلعها بكمالها الذي تنبئ عنه أرقامها، فهي …