الإثنين , 19 أبريل 2021
الرئيسية / المقالات الرئيسية / تكرر الاعتداءات على المهاجرين – هل نحن شعب عنصري ؟

تكرر الاعتداءات على المهاجرين – هل نحن شعب عنصري ؟

منذ أيام، أحيت تونس الذكرى 174 لاصدار أحمد باي الأول في 6 سبتمبر 1841 أمرا يقضي بمنع الإتجار في الرقيق  بعد أن أصدر في 23 جانفي أمرا يقضي بالغاء العبودية. ورغم أننا في طليعة الدول التي تبنت في وقت مبكر من تاريخها المعاصر ثقافة حقوق الانسان، الا أنّ بعض الأمراض المجتمعية المرتبطة بالموروث السام المبني على وهم تفوق مجموعة عرقية على أخرى- مازالت تؤرقنا في القرن 21.

اعتداء عنصري جديد ينضاف الى سجل جرائم الكراهية في السنوات الأخيرة،  اذ تمّ الاعتداء بالعنف الشديد على مهاجر من دول افريقيا جنوب الصحراء من قبل مُشغله في ولاية سوسة، حين طالبه بمستحقاته الماديّة. تم فتح تقيق في الأمر بعد توثيق الحادثة ورواجها في مواقع التواصل الاجتماعي. يصاحب  جذبُ الحديث عن العنصرية الى ساحة اليوميّ والمستجدات ذات الأولوية نوع من الغرابة في الطّرح-  خاصة انّ  تونس هي البلد العربي الوحيد الذي سن قانونا ضد الميز العنصري وشرع في تطبيقه، اذ تم اقرار القانون الاساسي عدد 50 لسنة لسنة 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. يهدف هذا القانون الى “القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ومظاهره حماية لكرامة الذات البشرية وتحقيقا للمساواة بين الأفراد في التمتع بالحقوق وأداء الواجبات  كما يضبط الإجراءات والآليات والتدابير الكفيلة بالوقاية من جميع أشكال ومظاهر التمييز العنصري وحماية ضحاياه وزجر مرتكبيه.

 يقصد بالتمييز العنصري على معنى هذا القانون كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني أو غيره من أشكال التمييز العنصري على معنى المعاهدات الدولية المصادق عليها والذي من شأنه أن ينتج عنه تعطيل أو عرقلة أو حرمان من التمتع بالحقوق والحريات أو ممارستها على قدم المساواة.” ولكن هل يكفي القانونُ للقضاء على الوصم العنصري- في سياق حالة انكار عامة لوجوده أساسا؟ لسنا “شعبا عنصريا” قد نقول لتعزية أنفسنا أو لانكار التركة البشعة من العنصرية اللامباشرة التي نرثها من الفكير التقليدي، ولكن الميز العرقي  يختفي تحت ذرائع عدة ويمكن استبطانه في اليومي البسيط كعدم الارتياح الذي يثيره زواج شاب أبيض من شابة سوداء والحرج الذي يرافق اختيار الكلمات بدقة بين “أسود، أسمر” والتمثيلية الضعيفة للتونسيين من ذوي البشرة السمراء في الحياة السياسية ومراكز القرار والحياة الثقافية، يمكن الشعور بالعنصرية في الموروث الشعبي الذي يعتبر الاسود مثيرا للنفور وأنه لون البشاعة والحزن، يمكن ايضاح العنصرية في الأمثال الشعبية والقصائد المُغناة والألفاظ الدارجة الى اليوم مثل “وصيف”/ “كحلوش” أو الألقاب مثل “عبيد/شوشان” وتاريخ طويل من الاضطهاد والتهميش المضاعف بسبب الحيف الاجتماعي من جهة والتمييز على أساس اللون. العنصرية موجودة بيننا في تعاملنا مع التونسي الاسمر ولكنها موجودة أيضا في تعاملنا مع المهاجرين “الأفارقة”، الذين يتعرضون للاستغلال الاقتصادي والتشغيل الهشّ والسخرية اليومية والتحيّل بسبب عائق اللغة.

 المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية نشر دراسة بعنوان من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس ” تؤكد أن  المهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء يرون أنّ  61 بالمائة من التونسيين عنصريون  حيث تعرض 51.1 بالمائة منهم تعرضوا اثناء فترة اقامتهم في تونس لأعمال عنصرية وكراهية من قبل التونسيين منها الشتائم بنسبة  89.60 بالمائة، العنف الجسدي بنسبة 33.90 بالمائة، التحيل 29.60 بالمائة، الانتهاكات 22.90 بالمائة، الابتزاز 7.80 بالمائة. تستعرض الدراسة تعرّض المهاجرين في أماكن الترفيه للممارسات العنصرية بنسبة 18 بالمائة والمستشفيات بنسبة 6.5 بالمائة والجامعات بنسبة 5.5 بالمائة ومقرات المنظمات الدولية بنسبة 3.3 بالمائة  وحتى عيادات الأطباء الخاصة بنسبة 1 بالمائة.

وفق تقرير المنتدى تنقسم أعمال العنف الى  87.20 بالمائة من المواطنين، كما تعرضوا بنسبة 56.80 بالمائة للعنصرية من  سائقي سيارات الأجرة 3 بالمئة من قبل أصحاب المحلات التجارية. وتطرقت الدراسة الى العنف المؤسساتي  الذي تعرض فيه المهاجرون للعنصرية في  مراكز الأمن بنسبة 9.60 بالمائة ومن قبل رؤساء العمل بنسبة  5 بالمائة.

ان ادانة العنصرية أمر هيّن، والتنديد المناسباتي بهذه البشاعة أمر عادي نراه في الاعلام وعلى صفحات السياسيين مع كل موجه عنف تطال المهاجرين أو التونسيين من ذوي البشرة السمراء  لكن التخلص من الموروث الثقافي الذي يسطر معيش اليوم هو الصعب، حتّى التشريعات لم تنجح في قتل العنصرية ولن تنجح مادامت غير مرفوقة بوعي اجتماعي يعتز بالاختلاف الهووي والعرقي والاثني بدل تصوير تونس على نمط هوية واحدة ودين واحد وأصل واحد، يجب على التغيير القادم من الداخل أن يكون بنفس الحماس الذي تذهب اليه الطاقات حين حصول حادثة عنصرية في العالم- كمثل الحماس الذي اعترى القوى التقدمية والشباب بعد حادثة مقتل المواطن الأمريكي من أصل افريقي جورج فلويد. لم نرى الحماس ذاته، مع عودة الخطاب العنيف والاقصائي الى الفضاء العمومي واكتشاح ثقافة الكراهية المشهد حتى في مجلس النواب. لم نخاف من الاعتراف بهذه الحقيقة المخزية، أهو الهرب الى الأمام من حقيقة أننا عنصريون أم حفاظا على صورة تونس النقية التي لا تشوب سلمها الاجتماعية شائبة؟ أسئلة تستحق التفكير.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع بيزنس نيوز

شاهد أيضاً

تذكير.. هذه العقوبات تنتظر مخالفي قرار منع جولان العربات (فيديو)

تحدثت الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية خالد حيوني‎ في صباح الناس اليوم الاثنين 19 أفريل …