الخميس , 15 أبريل 2021
الرئيسية / المقالات الرئيسية / تكرار الممارسات العنصرية في تونس: الآفـــــــة

تكرار الممارسات العنصرية في تونس: الآفـــــــة

في المروية الرسمية والشعبية كثيرا ما نردد اننا من الدول الأولى التي الغت العبودية سنة 1846 وأننا من الدول الاولى عربيا في التنصيص على مقاومة كل اشكال التمييز في الدستور وتخصيص قانون لمحاربة هذه الآفة ولكن بين المروية والمعاش اليومي فوارق عدة اذ تختفى «رواسب» التمييز والعنصرية في تفاصيل المعاش اليومي في ثقافتنا وفي رؤيتنا لأنفسنا وللعالم / الاخر.

رواسب وسلوك عنصري تبرز لتكون محل نقاش مجتمعي بين الفينة والأخرى ، على غرار ما كشفه فيديو الاعتداء من مواطن تونسي على طالب ايفواري يعمل تحت اشرافه ، لنكرر مرة اخرى خطاب الادانة ونشجب السلوك ونتنصل منه ومن ممارسه وينتهى الامر بان يفتح موضوع العنصرية من جديد كموضوع رأي عام يدلى كل برأيه فيه ونصطدم بتعليقات ومواقف تبرر سلوكا عنصريا وتدافع عنه وتبرره كما تجد خطابا يطالب بعدم المبالغة او ترتيب الاولويات ، ليشرع للأمر وظنا منه انه يدينه.

عنصرية « تفاجأ « بها جزء من التونسيين في نهاية الاسبوع الفارط، رغم تواتر ممارساتها وعيش الناجين منها على وقعها بشكل دوري ان لم يكن ذلك بشكل يومي، في بلد مرويته الرسمية والشعبية تتغنى بمواصلة نهج محاربة العنصرية بالقانون والتشريع ، اذ ان دستور 2014 ينص في فصله الـ21 على نبذ أي تمييز ويؤكد أن «المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.»

كما صادق مجلس النواب في اكتوبر 2018 على قانون القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي يعرّف العنصرية بانها «كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الأصل القومي أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري».

قانون مكن محكمة الناحية بصفاقس في 2019 من اصدار اول حكم بالسجن لمدة 5 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية قدرها 400 دينارا ضد امرأة تهجمت واعتدت على مدرس ونعتته بأوصاف عنصرية. وهي أول إدانة تستند للقانون عدد 50 لسنة 2018 المتعلق بمكافحة التمييز العنصري.

هذه النصوص القانونية – على اهميتها – لم تكن كافية للحد من العنصرية الظاهر منها والمختفي، ولم تساهم في تغيير المعاش اليومي، اذ يستمر تغلغل العنصرية والتمييز في الشارع التونسي الذي يعتقد في أعماقه بهذا السلوك ولكنه يصدر خطابا يجعل منه سلوكا لأقلية متعصبة. والحال ان العنصرية تتجسد في معتقداتنا وقناعتنا التي تشكل رؤيتنا للعالم ولأنفسنا وللأخر.

رؤية تتجسد في ممارساتنا سواء في الفضاءات العامة او الخاصة التي تكشف ان ثقافتنا وسلوكنا اليومي ينبعان من نظرة مشوهة لأنفسنا وللمختلف عنّا. وانه ورغم قولنا ان العنصرية و التمييز بين البشر على أساس اللون و الدين و اللغة أو العرق مرفوضة ومدانة ، إلا أن الفضاء العام والخاص يعاني من ألاف الامثلة لممارسات عنصرية.

نظرة مشوهة وجدت طريقها لتصنف العنصرية على انها فعل مقبول او مرفوض وفق الاخر الذي تستهدفه ، فهي مرفوضة اذا تعلق الامر باللون والعرق، ولكن مقبولة اذا تعلق الامر بالدين والميل الجنسي ، هي مرفوضة اذ طالت من هو مشابه لنا ومبررة اذ مست من الاخر المختلف.

هذا التشوه لن تعالجه النصوص القانونية على اهميتها ، بل يجب ان يعالج من منابعه وهي ثقافية بالأساس تستبطن في تفاصيلها وجزئياتها «عنصرية « فجة تعبر عن نفسها بشكل يومي ولكن دون ان تثير الجدل او تقابل بالرفض الصريح لا الاقتصار على التضامن الصامت.

ممارسة طالت مجلس النواب و الساحة السياسية و الفنية والملصقات الاشهارية والومضات والفضاء العام الذي يتشارك فيه التونسيون ويرصدون فيه بشكل يومي سلوكيات تستبطن وتظهر عنصرية ، تجعل من الاخر في مراتب دونية عن « النحن « القائم على تصور لهوية «التونسيين والتونسيات « على انهم عنصر نقي اثنيا ودينيا وان هناك تصورا نموذجيا للتونسيين /التونسيات قائم على الميل الجنسي واللون والدين واللغة .

صورة نمطية عن من هو التونسي/ التونسية هي نتاج قرون من المعاش المشترك الذي قام على «نحن « و «هم» اي على الثنائيات التي وفقها تصبح العنصرية مكونا لثقافة لا يمكن ان تتغير فقط بنص قانوني لا يقع اللجوء اليه في اغلب الاحيان اما لهشاشة من تعرض للعنصرية او استبطان جزء من المنظومة الامنية وحتى القضائية لعنصرية متخفية و مغلفة بمقولات دينية او ثقافية تجعل كما جزءا هاما من التونسيين ينحازون لصف الخاطئ.

اليوم لا يمكن ان ندفن رؤوسنا في الرمال وان نقول نحن لسنا عنصريين ، بل قلة منها لجهلها ولخروجها عن النموذج التونسي هي من تمارس العنصرية ، فهذا غير صحيح. نحن وثقافتنا كما باقي الشعوب وثقافتهم – تستبطن عنصرية وتمييز نجح افراد في تغييرها وتعثر اخرون.

لذلك فانه قد يكون لزاما على الجميع، دولة وشعبا وأحزاب ومجتمع مدني ان نقر بان العنصرية متواجدة وان مقاومتها ليس فعل مناسباتيا او رسميا بل هي فعل مجتمعي يومي يكرس المساواة بين الجميع على اختلافاتهم وانتماءاتهم وميولهم ، ان تكون فعلا يوميا بادراك بأننا سواء وان لا افضلية لأي منا على الاخر فنحن جميعا بشر.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع المغرب

شاهد أيضاً

عاجل-الأطباء يختارون بين من سنّه 15و21 سنة في الانعاش: الدكتور محمد الدوعاجي يوضّح

تحدّث رئيس قسم الولدان بالمستشفى العسكري ورئيس جمعية طب الأطفال محمد الدوعاجي عن إمكانية إدراج …