الخميس , 11 أغسطس 2022
الرئيسية / المقالات الرئيسية / حرب اللوائح في البرلمان: صراع سياسي يدفع تونس نحو العنف والإفلاس

حرب اللوائح في البرلمان: صراع سياسي يدفع تونس نحو العنف والإفلاس

لم تنته بعد حرب اللّوائح داخل مجلس نواب الشعب، وعلى الرّغم من ردود الفعل الشعبية المستهجنة للصراع داخل البرلمان والآثار السياسية والنفسية السلبية التي خلّفها هذا الصراع لدى العموم، إلّا أن معارك اللّوائح مازالت في أوجها. بعد لائحة أولى حول تصريحات رئيس مجلس نواب الشعب حول الصراع الدائر في ليبيا انتهى بانقسام حاد بين معسكرين الأول تمثله تنظيمات الإسلام السياسي ويدعم السراج وحكومة الغرب ومن ورائه تركيا وقطر والثاني تمثّله بعض الأحزاب والكتل التي تصنّف نفسها حداثية وتدعم حفتر وبرلمان الشرق ومن ورائه معسكر السعودية ومصر والإمارات. وعلى الرغم من تعبير بعض الأطياف السياسية صراحة عن حيادها تجاه القوى الإقليمية، إلا أن إسقاط لائحة تدين التدخل الخارجي في ليبيا أعطى انطباعا للداخل والخارج أن البرلمان التونسي لا يدعم السلام في ليبيا ولا يدين التدخل الأجنبي فيها.

لم يستفق التونسيون من صدمة إسقاط لائحة رفض التدخل الأجنبي في ليبيا ليفاجئوا بصفعة ثانية، وهي إسقاط لائحة طلب الاعتذار من فرنسا عن الحقبة الاستعمارية، وعلى الرغم من تبريرات المعارضين والمصوّتين ضد اللّائحة أو المتحفّظين عليها، لاعتبارهم أنها طرحت في إطار المزايدة السياسية، إلا أن الصورة التي خرجت للعالم هي صورة برلمان أخرق وغريب الأطوار، ذلك أن قضايا مثل السيادة الوطنية والاحتلال ليست محل جدل أو اختلاف. ولم تنته حرب اللّوائح ونتائجها العبثية عند هذا الحد، فقد عرضت كتلة الدستوري الحر لائحة ثالثة للمطالبة بتصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي، وينتظر أن تشهد نفس اللائحة مصير سابقاتها، وتنتهي بدورها مخلّفة مزيد من الصراع والتطاحن. صراع اللوائح يتفاقم ليمتد خارج أسوار البرلمان نحو مزيد من الانقسام والاستقطاب والعنف السياسي.

أزمة سياسية حادّة

هل أن ما تشهده الساحة السياسية والنيابية من صراع واستقطاب هو صورة طبيعية لمجتمع في أولى مسيرته الديمقراطية، مجتمع مازالت نخبه السياسية والفكرية تتدرّب على الإدارة الجماعية للشأن العام، وعلى الإدارة الديمقراطية لاختلافاتها؟ أم أننا إزاء أزمة سياسية حادة وعملية حشد وتعبئة لتغذية الاحتقان السياسي الذي انطلق من البرلمان إلى الفضاء الافتراضي لينتقل إلى الشارع في شكل حرب أهلية؟

في رسالة وجّهها إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد، نبّه مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي من الوضع المتأزم الذي تعيشه تونس وشبّه هذا الوضع بما جرى في صائفة سنة 2013، والظروف التي عاشتها البلاد آنذاك والتي كان يمكن أن تقود كما قال بن جعفر إلى حرب أهلية، ودعا إلى تنظيم حوار وطني من أجل ما اعتبره مصالحة وطنية حقيقية. وإذا كان بن جعفر قد استند في تحليله إلى تجربته على رأس المجلس التأسيسي 2011/2014 وحالة الاحتقان والاستقطاب السياسي آنذاك والتي قادت إلى اغتيالات سياسية (اغتيال الزعيمين شكري بلعيد في فيفري 2013 ومحمد البراهمي في جويلية2013). فإن هناك عامل إضافي يعمل على تأجيج لهيب الأزمة ويتمثل في الوضع الاقتصادي الراهن والذي لم يكن بنفس الحدّة في تلك الفترة، فضلا عن الوضع الدولي الذي يعيش بدوره حالة اختناق بسبب أزمة كورونا، وكذلك الآمال بتلقي مساعدة البلدان الداعمة للثورة التونسية في تلك الفترة.

آثار الأزمة على الأسر الضعيفة

وعلى الرغم من أن الحكومة أعلنت ما أسمته نجاحها في السيطرة على أزمة كورونا، وهي تستعد خلال الأيام القادمة إلى الرفع الكامل للحجر الصحي وعودة الحياة بشكل طبيعي. إلا أنها مازالت لم تحدد بشكل نهائي آثار هذه الأزمة على الاقتصاد التونسي وعلى حياة التونسيين بشكل عام. ولكن تقديرات الخبراء تشير إلى أن تداعيات الأزمة ستكون ثقيلة على الاقتصاد التونسي، وأن وقعها سيكون حادّا وثقيلا على الأسر ضعيفة ومتوسّطة الدخل، ووفق دراسة أنجزها المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية ونشرت في نهاية شهر ماي الماضي فقد كلّفت إجراءات التوقي ومكافحة تفشي وباء كورونا، الاقتصاد التونسي خسارة في النمو بنسبة 11,6 بالمائة لفترة ثلاثة أشهر. وقدّرت الدراسة أن عدد مواطن الشغل التي فقدت بشكل مؤقت بسبب الأزمة هو في حدود 430 ألف موطن شغل خلال فترة ثلاثة أشهر من الحجر الصحي (حتى جوان 2020)، وأن دخل الأسر التونسية سيتقلص في المعدل بنسبة 8,6 بالمائة لنفس الفترة.

ارتفاع معدلات العنف والجريمة

أظهرت دراسة سوسيولوجية، أجريت قبل فترة الحجر الصحي، ارتفاع معدل الجريمة في تونس وخاصة قضايا السرقة والنشل، وبيّنت نتائج الدراسة التي أجريت عن الجريمة في تونس أن عدد الجرائم منذ جانفي 2019، إلى شهر جويلية من نفس السنة بلغ 150الف جريمة، حيث تسجل ما بين 20 و25 جريمة في كل ساعة.

وبالإمكان تخيّل الوضع الاجتماعي مستقبلا مع ظهور نتائج آثار أزمة كورونا على الاقتصاد التونسي، وهي آثار تبدو غير متوقّعة تعكسها بأمانة دموع وزير المالية التونسي أمام لجنة برلمانية، حيث نقل عنه عضو اللجنة النائب أسامة الخليفي أن “الأرقام حول واقع الاقتصاد كارثية وأن الحكومة تنتظر ارتفاعا مهولا في نسب المديونية والبطالة”. ما نقل عن وزير المالية بأن نسب البطالة قد تتجاوز 17 بالمائة إذا أضفنا له حجم ارتفاع معدّلات الجريمة وأيضا حالة الاحتقان والعنف الاجتماعي والسياسي، تجعلنا نتخيّل بسهولة نتائج هذا الخليط الاستثنائي.

وعلى الرّغم من تهوين الكثيرين لحادثة الاعتداء على الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي جلال بريك، باعتبار أن الحادثة حصلت في فرنسا ومن جهة أخرى أن من قام بالاعتداء هم مراهقون في أغلبهم، إلّا أن الحادثة تعتبر مؤشر على غاية من الخطورة باعتبارها جاءت إثر عمليات الشحن والتحريض على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي أيضا امتداد “للصراع الديمقراطي” الدائر في البرلمان. وتجدر الإشارة إلى أن عمليات الاغتيال التي جرت سنة 2013 سبقتها “مناوشات” واعتداءات على مثقفين وناشطين وطلبة، هوّن كثيرون من أهمّيتها آنذاك.

أمام كل ذلك، تواصل الطبقة السياسية تسجيل النقاط من خلال اللوائح واللوائح المضادة ويسعى كل طرف إلى إحراج خصمه، وتغذية حماس جماهير المواقع الاجتماعية. ربّما هو الوضع الذي دفع مصطفى بن جعفر الذي قاد أول مجلس نيابي بعد الثورة إلى إطلاق صيحة الفزع وطلب تدخل رئيس الجمهورية لإطلاق حوار وطني شبيه بالحوار الذي جاء عقب أزمة 2013 وقاد البلاد إلى دستور وانتخابات وجائزة نوبل للسلام.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع نواة

شاهد أيضاً

نقابة الصحفيين تندّد بتصاعد التهديدات في حق الصحفيين و تحذر من خطورة تكرر الاعتداءات

في بيانٍ لها اليوم الثلاثاء 9 أوت 2022، ندّدت النقابة الوطنية للصحفيين بتصاعد التهديدات في …