الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / المقالات الرئيسية / ألف باء حكومة الفخفاخ: المحطات التي صنعت الحكومة المزاجيـّة الوطنية

ألف باء حكومة الفخفاخ: المحطات التي صنعت الحكومة المزاجيـّة الوطنية

في منزلة بين المنزلتين، لم يكن الخط الزمني لمسار تشكيل حكومة الياس الفخفاخ مُبالغا في أي اتجاه، لا في قصر المدة أو طُولها، لا في بساطة الأحداث أو تعقيدها- قياسا على تاريخ سياسيّ مكثف عاشته تونس منذ 2011. لكن الحكومة في ثوبها النهائي، لم تكن صنيعة توجهات رئيس الحكومة فحسب، بل نتاجا لمزاج حزبي متقلّب.

مكامن الخلل في الحكومة الجديدة

خلال كلمة سبقت الاعلان عن فريقه الحكومي، أصر الياس الفخفاخ على شكر شركائه الحكوميين من أجل مرونتهم وتحملهم المسؤولية وتغليبهم المصلحة الوطنية. بيد أنها خطوة ايجابية  للبعث برسالة طمأنة واعتراف للائتلاف الحكومي وليوجه الراي العام للتصديق بوجود انسجام وتفاهم، الّا أن سلبية تعامل الأحزاب مع الفخفاخ طيلة المسار وتشتت مواقفهم من التوجهات الكبرى-ومن بعضهم- يحيل الى أن العمل الحكومي المستقبلي يمكن أن يواجه صعوبات عدة. الاتجاه الى حكومة حزبية لن يجعلها بالضرورة “حكومة قوية” ولن يضمن ديمومتها وتماسكها. النهضة، التي مرت في ثلاثة أسابيع بثلاث أطوار وثلاث مواقف مختلفة تحركها مصالحها الضيقة، لن تكون عنصر توازن مثلما يدعي قياديوها، لأن مواقفها لا يمكن أن تكون مضمونة. رغم اتجاه أكيد لتصويت الحزب الاسلامي على منح الثقة الا أن مابعد جلسة الثقة هو ما يهم فعلا، وغالب الظن أن الحركة لن يخفى عنها أن تحاول فرض سيطرتها في محاولة منها لتذكر الياس الفخفاخ بأنه مدين لها بمرور حكومته، وأنها مازالت اللاعب الأساسي في المشهد. من ناحية أخرى، لا يبدو أن التيار وتحيا تونس سيكوّنان جبهة متماسكة، لا يخفى أن التيار له موقف سلبي من حزب يوسف الشاهد واحترازات كبرى وصلت الى اتهامات صريحة بالفساد. مستقلو الحكومة، شخصيات وطنية لا يمكن التشكيك في كفائتها،  لكن السؤال المطروح هو مدى قدرتهم على التأقلم مع المشهدية السياسية المتحركة من جهة، ومدى قدرتهم على الاندماج سريعا في نسق العمل الوزاري والالمام به، خاصة على مستوى حقيبتي الداخلية والدفاع. مع اصرار من رئيس الجمهورية على المقاربة الاجتماعية، ستكون الحكومة ذات ثلاثة أنساق، النسق الرئاسي كونها “حكومة الرئيس”، النسق الحكومي الذي تترجمه تصورات الفخفاخ، والنسق الحزبي الذي سيفرضه “الحزام” السياسي على مستوى الوزارات وعلى مستوى المؤسسة التشريعية.

الثوريّة والنساء ملح لتعديل الطعم الحزبي

رافق اقتراح ثريا الجريبي على رأس وزارة العدل مُباركة نسوية، لا تخلو من النقد واللوم. رغم أن الجريبي ستكون –في حال منح الثقة- أول امرأة في هذا المنصب السيادي، الا أن  سنة 2020 لا تندرج زمن الابتهاج بتشريك المرأة في المناصب السيادية، بل عليها أن تكون سنة المساواة والتناصف الغائبين للأسف عن تركيبة حكومة الفخفاخ التي لم تتجاوز نسبة التمثيلية النسائية فيها 18 فاصل 7 بالمائة. الى جانب علّة غياب التناصف فان التوجه الثوري كذلك لا يبدو جليّ القسمات في الحكومة التي يشكل المستقلون فيها 56 بالمائة. في قراءة أولى يبدو ان انغماس الفخفاخ في المشاورات- العنيدة  مع الأحزاب  قد كلفه نقض الوعد الذي قدمه في ندوته الصحفية الاولى (24 جانفي). التركيز على ضم قيادات الاحزاب انعكس سلبا على تمثيلية المرأة لسبب بديهي هو غياب النساء عن المناصب القيادية في الأحزاب ذاتها وبالتالي غيابهن عن الاقتراحات، أما التوجه الثوري الاعرج، فيمكن تفسيره بأنّ تقدير الفخفاخ لـ”الثورية” قد يكون مختلفا، فربما يحاجج الرجل بان حضور أسماء مثل العياشي الهمامي ومحمد عبو وقيادات من حركة الشعب هو ترجمة للثورية، وربما يحاجج بأن من دخلوا عالم السياسة بسبب الثورة (الفخفاخ والشاهد والعزابي انضموا لأحزاب بعد 2011) هم أيضا أبناء الثورة التي كانت السبب الوحيد في تواجدهم في الصفوف الاولى اليوم.

تعليمات الرئيس

كان مسار المشاورات فرضة أعدنا فيها اكتشاف قيس سعيد، أو ربما اكتشفنا وجها اخر للرجل. مع اتسام الـ99 يوما الأولى بالهدوء الضجر، فان الثلاثة أسابيع الأخيرة كانت مساحة استغلها رئيس الجمهورية لتمرير رسائل الى الشعب من جهة، ولكن خاصة لحركة النهضة. خلف الكواليس كان سعيد أحد اللاعبين الأساسيين في رسم مقاربة الحكومة ووثيقتها التعاقدية وأهدافها العاجلة، وأمام الكاميرات، لم يفته أن يوجه رسائل ترجع كلا الى مكانه/حجمه الطبيعي.  بعد انتقاده انسحاب النهضة في اللحظة الأخيرة وتلميحه الى سعي لافشال المسار التشاوري، أصر سعيد ان يذّكر الشعب بانه الضامن لاحترام الدستور متمسكا بالفصل 89 منه، وأصر كذلك أن يقدم لراشد الغنوشي درسا في القانون الدستوري مستعينا بأوراق في يمناه ونسخة من الدستور في يسراه ومعلقا “لا مجال لتأويلات من فتحوا دار افتاء..” في تعليق على محاولة الحزب الاسلامي اصدرا “فتوى” وفقا لأهواءه لسحب الثقة من حكومة الشاهد. عاد سعيد ليسجل موقفا ثانيا خلال لقاءه الفخفاخ أمس ليتسلم منه تركيبة الحكومةـ بتصريح مباشر (يوجد رئيس واحد وليس ثلاث رئاسات)  كان رسالة مضمونه الوصول للرجل صاحب السلطتين الحزبية والبرلمانية، راشد الغنوشي. رئيس الجمهورية ختم لقاءه مع الفخفاخ بتعليقه “سنصنع التاريخ معا” بعد ان شدد على تبني الفخفاخ لشعارات الثورة “شغل حرية كرامة وطنية.”

جرحى هذا المسار التشاوري عديدون، منهم من كان يأمل في تقلد منصب وزاري مثل سيف الدين مخلوف ويسري الدالي نواب ائتلاف الكرامة. سعى الائتلاف الى ان يكون ظل حركة النهضة يُماهي مواقفها عساه يكون رابحا مثلها، الا أن مساعيه انقلبت خيبة أزاحته الى خانة المعارضة.

كتلة المستقبل التي شاركت في المشاورات لم يكن لها حظ في الانضمام الى الحكومة كذلك، وفيما يُستبعد ان تنضم للحزام السياسي الداعم لها، فان أغلب الظن أنها ستكون من معسكر المعارضين، معسكر بقيادة قلب تونس الغائب الأكبر عن تشكيلة الحكومة، بعد أن فشلت وساطة شيخ الحركة الاسلامية وتوصلت النهضة الى اتفاق ثان مع الفخفاخ (وزارة تكنولوجيا الاتصالات والانتقال الرقمي) ولم تعد حجة “رفض اقصاء قلب تونس” ذات معنى. من جانب اخر، الطرف الوحيد الذي لا يعد خاسرا هو الدستوري الحر، الذي أعلن منذ البداية رفضه المطلق للمشاركة في حكومة تضم الاسلاميين.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع Business News عربي

شاهد أيضاً

جلهم من تونس : 400 “حارق” يصلون الى ايطاليا يوم العيد

اكدت وسائل اعلام ايطالية اليوم الاثنين 25 ماي 2020 وصول نحو 400 مهاجر غير شرعي …