الثلاثاء , 29 نوفمبر 2022
الرئيسية / المقالات الرئيسية / الرئيس والاتصال.. قراءة في الاتصال السياسي لقيس سعيّد

الرئيس والاتصال.. قراءة في الاتصال السياسي لقيس سعيّد

تكاثرت الانتقادات وتعدّدت حول السياسة الاتصالية لمؤسّسة رئاسة الجمهورية بخصوص نفاذ الصحافة إلى المؤسسة والاتهامات بالتعتيم وبالحدّ من حقّ الصحافة في الحصول على المعلومات الضرورية لتغطية الأنشطة الرئاسية إضافة إلى الأخطاء الإجرائية (تصريحات وتصريحات مضادة). ويحيل هذا الجدل ليس فقط إلى المسائل التقنية حول الأساليب التي تعتمدها مؤسّسة الرئاسة للتعامل مع الميديا والصحافة، ولكن أيضًا إلى الخيارات في مستوى الاتصال المؤسسي للرئاسة وكذلك أيضًا إلى مهنية مصالح الاتصال بشكل عام.

رئيس الجمهورية هو فاعل سياسي أساسي ويخضع كل ما يقوم به وحتى ما لا يقوم به إلى التفسير والتأويل وعلى هذا النحو فهو في حالة اتصال دائم

ولكن لن نهتم هنا بهذا الجدل، فموضوع هذا المقال هو اتصال رئيس الجمهورية قيس سعيّد أي الأسلوب والطرق التي يوظفها لإدارة صورته العامّة، أي بتعبير آخر الصورة التي يريد أن يكون عليها في أذهان التونسيين. وما يهمّنا هنا ليس تقييم الأداء المهني لمصالح الاتصال برئاسة الجمهورية ولكن اتصال الرئيس، فهو فاعل أساسي في الحياة السياسية على الأقل في مجالات السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي، وهو يقوم بأنشطة يومية: يستقبل شخصيات، ويقوم بزيارات ميدانية، ويتكلم في مؤتمرات صحفية أو يخطب في التونسيين، وهي تُعتبر أنشطة اتصالية أي أنها حاملة لمضامين أو رسائل  يتّبع فيها الرئيس أساليب ناتجة عن خيارات مدركة أو غير مدركة.

إن رئيس الجمهورية هو فاعل سياسي أساسي ويخضع كل ما يقوم به وحتى ما لا يقوم به إلى التفسير والتأويل، وعلى هذا النحو فهو في حالة اتصال دائم. وما يهمّنا إذًا ليس التقييم السياسي لأداء قيس سعيد الرّئيس أو الحكم عليه أو له أو إبداء الرأي في قراراته السياسية، فما يهمنا في هذا المقال التحليلي هو النظر في الاتصال السياسي كما يمارسه سعيّد.

اقرأ/ي أيضًا: في أزمة الديمقراطية التونسية المزدوجة: السياسة والميديا

لماذا يجب أن نهتم بالاتصال الرئاسي؟

رئاسة الجمهورية هي مؤسّسة سياسية ورمزية بالغة الأهمية حتى في النظام السياسي التونسي الحالي، نظام الشبه برلماني. فرئيس الجمهورية منتخب انتخابًا مباشرًا من الشعب على عكس رئيس الحكومة والوزراء المعنيين، وهو بهذا المعنى يمثّل التونسيين ممّا يعطيه قيمة ورمزية لا جدال فيه. وهو كذلك قائد القوات المسلحة المؤتمنة على أمن البلاد وصورتها في العالم. ومن هذا المنظور، إن كلّ ما يصدر عن رئيس الجمهورية هي “مضامين” قابلة للتأويل، فحتى حالة اللاّتواصل (La non communication) غير ممكنة إذ أن الصمت هو علامة ذات دلالة أيضًا. وعلى هذا النحو وفي حالة قيس سعيّد، فإن الاتصال قدر محتوم لا يمكن أن يفلت منه.

يمثل قيس سعّيد حالة تستحق الدرس في الاتصال السياسي لأنه مكمن مفارقات محيرة لا حصر لها إذ فاز في الانتخابات الرئاسية دون أن يقوم بحملة اتصالية بالوسائل والمعايير المتعارف عليها

ويُعًرّف الاتصال الرئاسي على أنه نوع من أنواع الاتصال السياسي الذي يمارسه الفاعلون السياسيون في المجتمعات الديمقراطية للتنافس على السلطة في الانتخابات للحصول على أصوات المقترعين (والتأثير في خياراتهم) أو لإدارة السلطة وللحصول على تأييد المواطنين ورضاهم أو ولاءهم. ويمثل الاتصال الرئاسي موضوعًا هامًا في العلوم السياسية وفي علوم الاتصال يتناول بالدراسة مختلف الإستراتيجيات والأساليب الاتصالية التي يتّبعها رؤساء الدول.

وقد اهتمت العديد من البحوث بدراسة تحولات الاتصال الرئاسي (أنظر هذه الدراسة عن تحولات الاتصال الرئاسي في فرنسا)  باعتباره وسيلة من وسائل إدارة وظيفة الرئيس وصورته و أسلوبًا للتأثير في إدراك المواطنين لأداء الرئيس….ولعل أسلوب الخطابة  والبلاغة (La Rhétorique) هي من أكثر المسائل التي يهتم بها اختصاص الاتصال الرئاسي (أنظر مثلًا هذا المؤلف عن الاتصال الرئاسي في الولايات المتحدة بعنوان “الرؤساء في الثقافة: معنى الاتصال الرئاسي“).

رئيس بلا اتصال

يمثل قيس سعّيد حالة تستحق الدرس في الاتصال السياسي لأنه مكمن مفارقات محيرة لا حصر له. إذ فاز في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية دون أن يقوم بحملة اتصالية بالوسائل والمعايير المتعارف عليها، خاصة وأنه رفض القيام بهذه الحملة في الدور الثاني ومنافسه في السجن. لكن حملته في الدور الأول كانت أيضًا غير تقليدية عبر رفض التمتع بالمال العام لتمويل حملته وهو أكد أنه لا يخوض حملة أصلاً ولم يكن له ناطقًا رسميًا. لم يشارك قيس سعيّد بشكل كبير في البرامج الحوارية بل ولم يبحث أصلًا عن الحضور فيها. لم يكن له فريق من الاتصاليين يلهثون وراء الصحفيين، على عكس أغلب المترشحين، وقد يكون ذلك رفضًا منه أن يكون هؤلاء وسطاء بينهم وبين التونسيين، وهو الذي يطرح نفسه امتدادًا للشعب وناطقًا باسمه ومعبّرًا عمّا يريد (شعار حملته الانتخابية: “الشعب يريد”).

يشمل الاتصال اللغة (الكلام) ولكن أيضًا الجسد وتعبيراته وحتى الامتناع عن الكلام والصمت وبذلك مارس قيس سعيّد اتصالًا ذكيًا بشكل مدرك وواع أو غير مدرك وغير واع

لم يستخدم قيس سعيّد المترشح اللاّفتات الاشهارية العملاقة لإظهار صورته في الشوارع الكبرى في المدن التونسية، ولم يستثمر في الميديا الاجتماعية التي تقدم على أنها المفتاح السحري للاتصال السياسي. كانت حملة سعيّد درسًا قاسيًا لمهنيي الاتصال الذين شيدوا نفوذهم على قدرتهم على صناعة السياسيين، وقد انتصر في الانتخابات أمام مترشحين استثمروا موارد مالية ضخمة مجنّدة بفضل شبكات اقتصادية وسياسية متعددة. وساهمت عمومًا هذه الحملة في تحويل قيس سعيد لظاهرة فريدة يحتفي بها المواطنون والصحافة والميديا في العالم العربي وخاصة في الدول التي يخضع فيها المواطنون إلى سلطة سياسية قهرية.

لكن السؤال الذي يجب طرحه: هل امتنع قيس سعيد حقًا عن الاتصال؟ لقد تمخضت الأدبيات البحثية في علوم الاتصال على أن اللااتصال حالة غير ممكنة. لماذا؟ لأن الاتصال لا يمكن اختزاله في اللغّة أو في ما يُسمّى “الاتصال اللغوي”، فهو سلوك دال يمكن فهمه وتأويله. والاتصال، على هذا النحو، يشمل اللغة (الكلام) ولكن أيضًا الجسد وتعبيراته وحتى الامتناع عن الكلام والصمت. بذلك، مارس قيس سعيّد اتصالًا ذكيًا بشكل مدرك وواع أو غير مدرك وغير واع.

الرئيس-الشعب

انشغل قيس سعيّد طيلة السنوات الأخيرة ببناء هوية أو صورة سياسية متمايزة عن النخب السياسية مقدمًا نفسه على أنه رجل بلا حزب أو ماكينات، ومتحرر من كل المصالح والشبكات التي ازدهرت في عالم السياسة. ويقدم نفسه على أنه رجل حر ذو كلمة حرة، ومتصل بالشعب ومتواصل معه بلا وسائط. ويبدو أنه بلغ ما يريد إليه بما أنه طور قدرة بالغة على التقمص (L’incarnation)، وهي قدرة فائقة الأهمية في الاتصال السياسي.

من المشروع تصنيف سعيّد ضمن فئة السياسيين الشعبوبيين، والشعبوية ليست من منظورنا شتيمة أو قدحًا بل هي توصيف موضوعي لأسلوب سعيّد المرشح ثم رئيس الدولة من جهة مضامين خطابه السياسي

اقرأ/ي أيضًا: خطاب قيس سعيّد بعد آداء اليمين رئيسًا لتونس.. حماسة وتحديات كبرى منتظرة

يعتبر سعيّد حالة يمكن أن نتبيّن من خلالها تحوّل مبدأ التمثل السياسي في الديمقراطية التونسية، فهو يقدم نفسه على أنه سياسي غير نمطي تجاوز مبدأ التمثيل (la représentation) بمعناه التقليدي لأنه لا يريد أن يمثل طبقة اجتماعية (الفقراء مثلًا أو الشغالين) ما أو حزب ما أو أيديولوجيا (الحداثة أو الهوية العربية الإسلامية) أو مصالح أو تيار فكري أو حقبة زمنية ما (الماضي مثلًا). يريد سعيّد أن يكون عابرًا لكل التيارات والمذاهب والمصالح والطبقات في حالة انصهار كامل مع الشعب، بل هو يكاد يكون من منظوره “الشعب مجسدّا” (le peuple incarné) أو “تجسيدّا للشعب”.

يقول قيس سعيّد في خطابه الذي توجه به إلى التونسيين بمناسبة السنة الإدارية الجديدة 2020: “لقد فتح شعبنا العظيم مرحلة جديدة في التاريخ وليس لأحد الحق في أن يخيب آماله وتطلعاته”، ولا شكّ أن سعيّد يعني بهذه المرحلة التاريخية الجديدة انتخابه رئيسّا للجمهورية الذي يرى فيه تجسيدًا مباشرًا لإرادة الشعب، كل الشعب.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع الترا تونس

شاهد أيضاً

نتائج زيارتها للجزائر محورُ لقاء بودن برئيس الدولة

كانت نتائج زيارة رئيسة الحكومة نجلاء بودن  إلى محور لقاء جمعها اليوم، الثلاثاء 29 نوفمبر …