الإثنين , 30 مارس 2020
الرئيسية / المقالات الرئيسية / الحبيب الجملي مكلفًا بتشكيل الحكومة.. الرهانات والصعوبات

الحبيب الجملي مكلفًا بتشكيل الحكومة.. الرهانات والصعوبات

ظلّت الصورة ضبابية حتى الساعات الأخيرة قبيل حسم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الجمعة 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، في اختيار اسم الحبيب الجملي لاقتراحه على رئيس الجمهورية قيس سعيّد لتكليفه، وذلك في آخر أيام انتهاء الأجل القانوني للتكليف الرسمي حسب الدستور. ومحلّ هذه الضبابية هو أولًا تداول عديد الأسماء لآخر لحظة حول الشخصية التي ستقدمها النهضة لرئاسة الحكومة، وثانيًا تضارب المعلومات حول مواقف مختلف الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة والمنظمات الوطنية (تحديدًا اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف) من الأسماء المطروحة. ويفترض على رئيس الحكومة المكلف تقديم تشكيل حكومي والمصادقة عليه في ظرف شهر قابل للتمديد مرة واحدة، وحال فشله، تتحول المبادرة إلى رئيس الجمهورية لتكليف “الشخصية الأقدر” لتكوين الحكومة.

الحبيب الجملي.. مستقل من دائرة النهضة

اختارت حركة النهضة، بالنهاية، شخصية مستقلة، أي من خارجها، لرئاسة الحكومة، وذلك استجابة مبدئية لطلب أغلب أحزاب البرلمان (تحديدًا التيار الديمقراطي وحركة الشعب المحسوبين على “الخط الثوري” وأحزاب “قلب تونس” و”تحيا تونس” المحسوبين على “المنظومة القديمة”) التي اشترطت عدم قيادة الحزب الإسلامي للحكومة المقبلة كشرط أولّي للمشاركة في ائتلاف حكومي معه. ويأتي هذا الخيار على خلاف الموقف العلني السابق لقرار مجلس الشورى بعيد الانتخابات بتمسك النهضة برئاسة الحكومة، وهو خيار ظهر، منذ البداية، كمجرد سقف أعلى للحزب لتأمين رهانه الحقيقي على وصول رئيسه راشد الغنوشي إلى رئاسة البرلمان، أي ضمان حركة النهضة موقعًا في الرئاسات الثلاث لأول مرة، وهو ما تأمن في الجلسة الافتتاحية للبرلمان الجديد قبل يومين من انتهاء الآجال الدستورية لتقديم مرشحها لرئاسة الحكومة.

 لم يكن، في نهاية المطاف، اختيار شخصية مستقلة لرئاسة الحكومة بالمفاجئ على ضوء أنه شرط كل الأحزاب البرلمانية المعنية بالتشكيل الحكومي عدا ائتلاف الكرامة

وبذلك لم يكن، في نهاية المطاف، اختيار شخصية مستقلة لرئاسة الحكومة بالمفاجئ على ضوء أنه شرط كل الأحزاب البرلمانية المعنية بالتشكيل الحكومي عدا ائتلاف الكرامة، مع التذكير أن الوزن البرلماني لحركة النهضة ورغم حلولها في المرتبة الأولى لا يعطيها إلا أقل من ربع مقاعد البرلمان (52 من أصل 217 مقعدًا). بيد أن السؤال كان منذ البداية من هو الشخصية المستقلة؟ والسؤال ليس عن ذات الشخص بقدر ما كان عن مدى استقلاليته واقعًا على اعتبار اختلاف تقييم معيار الاستقلالية بين الأحزاب.

فالحبيب الجملي، المكلّف بالنهاية، كان كاتبًا للدولة في الفلاحة بعنوان “تكنوقراط” بين 2011 و2013 أي زمن رئاسة حركة النهضة للحكومة للمرة الوحيدة بعد الثورة، وتنقل شهادات أنه خاض تجربة طلابية قصيرة في الاتجاه الإسلامي في بداية الثمانينيات، وتؤكد مصادر متعددة، إجمالًا، أنه ينتمي لدائرة الشخصيات المستقلة الدائرة في فلك حركة النهضة، وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أكد، قبيل التكليف، أن احتمالات الشخصية المعيّنة “سيتكون بين الصفوف الأولى للنهضة أو الصف العاشر أو أحد أصدقاء النهضة”.

ويمكن اعتبار اختيار الجملي، بالنهاية، توليفة، إلى حد ما، بين التوجه المبدئي لمجلس شورى حركة النهضة بتمسك الحزب برئاسة الحكومة من جهة، واشتراط جل الأحزاب المعنية بالمشاورات الحكومية بتعيين شخصية مستقلة، على اعتبار أن الشخصية المكلفة هي مستقلة ولكن معروفة، في نفس الوقت، بقربها من حركة النهضة التي ظهرت استجابت شكلًا لشرط أساسي صدّرته أحزاب عديدة لمشاركتها الحكم.

ولعلّ ما أثاره تعيين الجملي ومن شكوك حول استقلاليته جعله يحرص، في تصريحاته الإعلامية بعيد تكليفه، على التأكيد على أنه لم يكن له أي انتماء حزبي، وأنه لم تكن له أي علاقة بحركة النهضة، بل وأنه قادر على قول “لا” للنهضة حسب قوله.

  الحبيب الجملي هو اسم لم يكتشفه جل التونسيين بل حتى المهتمين بالشأن العام إلا في اليومين الأخيرين، على اعتبار أنه لم يُعرف له أي نشاط عام طيلة السنوات الماضية بعد مغادرته لكتابة الدولة للفلاحة

وكان من بين أكثر الأسماء تداولًا لرئاسة الحكومة هو مستقل آخر قريب من دائرة النهضة المنجي مرزوق، تولى وزارة الاتصالات زمن الترويكا ووزارة الطاقة في الحكومة الثانية للحبيب الصيد عام 2016، وكان يبدو الاسم الأكثر مقبولية سواء بين قواعد النهضة أو حتى لدى شركائها المحتملين لعنصرين اثنين، أولًا لسيرته المهنية الثرية مقارنة بالجملي خاصة مع مروره بوزارتين مختلفتين طيلة 3 سنوات تاركًا أثرًا طيبًا فيهما (تحديدًا في علاقة بمسألة الشفافية في ملف الطاقة)، وثانيًا، وهذا الأهم، هو ما نُقل أنه صاحب شخصية مستقلة غير طيّع. ولعلّ هذا العنصر الثاني هو أحد أسباب التخلي عنه من رئيس حركة النهضة، وذلك عدا أنه ينحدر جهويًا من ولاية قابس، مسقط رأس الغنوشي، وهو عنصر إحراج لا يساعد النهضة سواء في إطار التوازنات الداخلية الحزبية من جهة وكذا في علاقة ببقية القوى الجهوية النافذة في البلاد.

وإجمالًا الحبيب الجملي هو اسم لم يكتشفه حل التونسيين بل حتى المهتمين بالشأن العام إلا في اليومين الأخيرين، على اعتبار أنه لم يُعرف له أي نشاط عام طيلة السنوات الماضية بعد مغادرته لكتابة الدولة للفلاحة قبل نحو 6 سنوات. وهو تعيين يؤكد استمرار البناء الهرمي المقلوب على خلاف ما تقتضيه روح النظام السياسي في نظام شبه برلماني يفترض أن رئيس الحكومة، صاحب جل الصلاحيات التنفيذية، هو الضلع الأساسي في مثلث الرئاسات، ولكن تأتي شخصية غير معروفة دون ماضي سياسي تمثل أولى مهامه إثبات وزنه أمام الرأي العام ضمن مثلث الحكم الحالي يضم ضلعين آخرين هما رئيس الجمهورية قيس سعيّد المتحصل على نحو 2.8 مليون صوت في الانتخابات الرئاسية ورئيس البرلمان راشد الغنوشي زعيم أكبر أحزاب البلاد.

من هم الشركاء المحتملون؟

أولى مهام الحبيب الجملي هي الحسم في تحديد الأطراف المعنية بصفة جدية بالتشكيل الحكومي، على اعتبار أن 3 كتل رئيسية معنية بالتشكيل الحكومي (التيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب) وتضم جميعها نحو 60 نائبًا (من أصل 217 نائبًا) أعلنت رفضها المبدئي المشاركة في حكومة تضم حزب “قلب تونس” (الحزب الثاني بـ38 مقعدًا) الذي توافقت معه حركة النهضة في المسار البرلماني (اقتسام منصبي رئيس البرلمان ونائبه).

وأعلن الحبيب الجملي فور تكليفه أنه منفتح على كل الأحزاب السياسية، ودعا المكتب التنفيذي لحركة النهضة بعيد التكليف “كل القوى السياسية” للانخراط في مفاوضات تشكيل الحكومة فيما ظهر موقفًا مستجدًا للحركة التي وعدت قبل الانتخابات وأكدت لاحقًا رفضها التحالف مع “قلب تونس” لأنه حزب تحوم حول شبهات فساد. غير أن التوافق معه في المسار البرلماني يشي أن هذا التوافق قد يمتد للمسار الحكومي، ولكن رئيس مجلس شورى حركة النهضة عبد الكريم الهاروني عاد ليصرح إعلاميًا، بعيد بيان المكتب التنفيذي، أن حزبه لازال يعارض مشاركة حزبي “قلب تونس” والحزب الدستوري الحر (17 نائبًا) التحالف الحكومي، وهو ما يبين تضاربًا في المواقف لحركة النهضة بين استمرار “الفيتو” على “قلب تونس” (الذي يبحث عن فك العزلة عنه وقد سارع للتوافق مع النهضة في توزيع المناصب في البرلمان) أو رفعه وما يعنيه عدم الاستجابة لشرط أساسي للكتل الثلاثة المذكورة الرافضة لمشاركة حزب نبيل القروي الحكم.

أولى مهام الجملي هي الحسم في تحديد الأطراف المعنية بالتشكيل الحكومي، على اعتبار أن 3 كتل رئيسية (التيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب)  أعلنت رفضها المشاركة في حكومة تضم “قلب تونس”

ويبدو أن حركة النهضة فضلت ظاهرًا رمي الكرة لرئيس الحكومة الحبيب الجملي وإن يظل بيدها عمليًا الحسم، وهي تعلم أن كلا الخيارين مكلفًا. فخيار تكوين حكومة رباعية “ثورية” (النهضة والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وحركة الشعب) وعلى فرض الاستجابة بالخصوص لشروط التيار الديمقراطي (يطلب وزارات الداخلية والعدل والإصلاح الإداري)، وبإضافة بعض المستقلين، ستتكون حكومة بأغلبية بسيطة بحزام برلماني غير واسع (أقل من 120 نائبًا) وستكون أضعف الحكومات بحساب نسبة الأغلبية، وإن يظل الرهان على إضافة حزب “تحيا تونس” (14 مقعدًا) وإن أعلن بدوره أنه غير معني بالمشاركة في الحكم إلا في إطار حكومة “مصلحة وطنية”. وفي المقابل، إن خيار التحالف مع “قلب تونس” في الحكومة بالنسبة للنهضة يعني تخليًا منها على شركائها من “الخط الثوري” ومواصلة تجربة الحكم مع “المنظومة القديمة” بما يمثل مخالفة لتوجهات الرأي العام المعبر عنها في الانتخابات الأخيرة، التشريعية والرئاسية، وللمزاج العام لقواعد الحزب وتيار واسع من قياداته، عدا وأن هذه الحكومة ستكون أمام معارضة برلمانية قوية عدديًا ونوعيًا مقارنة بالمعارضة في البرلمان السابق.

بذلك، يجد الحبيب الجملي، ومن ورائه حركة النهضة، نفسه في ضرورة الحسم بين خيارين متضادين، وإن يبقى رهان الحركة على توليفة لحكومة ترضي الجميع، أو على الأقل أغلب الكتل البرلمانية، تبعد شبح الفشل في تكوينها وما قد يعنيه في نهاية المطاف إمكانية تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة يبدو أن كل الكتل البرلمانية عبرت عن رفضها المضي نحوها. وهذه التوليفة قد تتخذ شكل حكومة تضم أساسًا شخصيات تكنوقراطية ببرنامج سياسي مدعوم من أغلبية برلمانية تشمل النهضة و”قلب تونس” و”تحيا تونس” مع تصويت ائتلاف الكرامة لفائدتها، مع الإشارة أن “قلب تونس” وائتلاف الكرامة أعلنا سابقًا إمكانية التصويت لفائدة حكومة دون المشاركة في عضويتها، وهي حكومة يكون إخراجها بصيغة التوافق الحاصل في المسار البرلماني حينما صوت الحزبين المذكورين لفائدة راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان بعد عقد النهضة لتوافق ثنائي مع كل منهما على حدة.

ملفات ثقيلة على طاولة الحكومة المقبلة

يمثل المشاركة في حكومة في سياق أزمة اقتصادية واجتماعية عبئًا لا مغنمًا خاصة للأحزاب المتوسطة الصاعدة في انتخابات 2019 والتي دائمًا ما تؤكد في إطار تصدير شروطها للمشاركة في الحكومة على أن عدم المشاركة في الحكم واتخاذ موقع المعارضة هو أكثر أمانًا لها للحفاظ على شعبيتها، على اعتبار أن الحكم هو بطبعه عامل تهرئة ودليله الخسارة المدوية لحزبي نداء تونس و”تحيا تونس” لرئيس الحكومة يوسف الشاهد في الانتخابات الأخيرة.

وستواجه الحكومة الجديدة على طاولتها أولًا أزمة اقتصادية خانقة مع الارتفاع القياسي لنسبة التداين واستمرار انخرام الميزان التجاري وتواصل انخفاض سعر صرف الدينار رغم تحسن طيلة الأشهر الأخيرة يؤكد خبراء اقتصاديون أنه لا يعكس انتعاشة اقتصادية بقدر ما يأتي نتيجة عوامل ظرفية تتعلق بعودة نسق قطاع السياحة في هذا الموسم الصيفي والعوائد الاستثنائية في قطاع الفلاحة.

ستواجه الحكومة الجديدة على طاولتها أولًا أزمة اقتصادية خانقة مع الارتفاع القياسي لنسبة التداين واستمرار انخرام الميزان التجاري وتواصل انخفاض سعر صرف الدينار

ولعل أهم الملفات التي لازالت معلقة وتحتاج إلى حسم حكومي هو ملف الإصلاحات الكبرى وتحديدًا المؤسسات العمومية (منها بالخصوص شركة الخطوط التونسية وشركة فسفاط قفصة وشركة التبغ والوقيد) ذات الخسائر المتراكمة التي أثقلت المالية العمومية، وقد رفضت المنظمة الشغيلة مقترحات لحكومة يوسف الشاهد تشمل بعضها خوصصة جزء من رأس مال هذه المؤسسات. كما يحلّ ملف دفع الاستثمار ملفًا جوهريًا على طاولة الحكومة عدا على لزوم التدخل لإنعاش بعض القطاعات (البعث العقاري مثلًا). كما أن الحكومة مدعوة لتطوير قطاعي التعليم والصحة العمومية الذي عرف طيلة السنوات الأخيرة تدهورًا في خدماته، إضافة لتحسين القدرة الشرائية في ظل ارتفاع نسبة التضخم. ومن بين الملفات الجوهرية المطروحة أيضًا هو استئناف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية “الأليكا” التي تلقى تحفظات واسعة من المنظمات الوطنية والمجتمع المدني مع تحذيرات من تأثيراتها السلبية على الاقتصاد التونسي خاصة في قطاع الفلاحة.

وكان قد استعرض البنك الدولي، في أكتوبر/تشرين الثاني، عمومًا أرقامًا محبطة حول الاقتصاد التونسي منها أن نسبة النمو لسنة 2019 لن تتجاوز 1.1 في المائة بعد أن كانت بنسبة 2.5 في المائة سنة 2018 و2 في المائة سنة 2017 مع توقع أن تصل نسبة التداين إلى نسبة 89 في المائة بحلول سنة 2020.

ولذلك يطالب مراقبون أن تتجه الحكومة الجديدة نحو توجهات عامة وحاسمة في عديد الملفات المعلقة بما قد تستلزمه من قرارات غير شعبية أو على الأقل أخرى يرفضها الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو ما يستدعي حكومة ذات إسناد سياسي خاصة وأن رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد أكد أن تعطل الإصلاحات الكبرى مرده غياب الإسناد السياسي لحكومته. وبذلك تراهن الأحزاب المكونة للحكومة المقبلة على تأمين أغلبية برلمانية واسعة لتمرير مشاريع قوانينها داخل البرلمان، ولكن الأهم لضمان أوسع قدر ممكن من الإسناد السياسي داخل جسم الأحزاب خاصة في انتظار معالجة ملفات محل خلاف حول طريقة إدارتها مع المنظمات الوطنية وتحديدًا اتحاد الشغل. وهي حكومة ستعمل الأطراف المكوّنة لها على أن تمضي بخطوات واضحة وسريعة خاصة في الأشهر الأولى القادمة، وذلك باستغلال الزخم الشعبي بعد الانتخابات وقبل تراجع منسوب الثقة بطول الزمن، وهو الدرس الأساسي بالخصوص لحركة النهضة خاصة بعد تجاربها الحكومية سواء في حكومة الترويكا أو في مرحلة التوافق بعد انتخابات 2014.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع ألترا تونس

شاهد أيضاً

أزمة “كورونا” ومستقبل الصحافة والميديا التونسية

تعيش تونس منذ أسابيع كسائر دول العالم تقريبًا أزمة فريدة من نوعها في التاريخ الإنساني …