الخميس , 12 ديسمبر 2019
الرئيسية / المقالات الرئيسية / ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 – سطوة “الكرونيكور” (3/3)

ملف: مستقبل الصحافة التونسية بعد انتخابات 2019 – سطوة “الكرونيكور” (3/3)

من بين التحوّلات التي عرفها الحقل الصحفي بعد الثورة، نجد ظهور فاعلين أو “متكلمين” جدد اكتسبوا تدريجيًا حق الظهور في الميديا على غرار الخبراء في الإرهاب والاقتصاد، وأيضًا ما يُسمّى “الكرونيكور” (المعلّق الصحفي). والكتابة في موضوع هذه الفئة الجديدة مهمة شاقّة، فكلّ ما نقرؤه عادة في مثل هذا الموضوع يندرج في إطار الكتابة الانطباعية القائمة على إدانة “الكرونيكور” باعتباره “متحيّلًا” و”متطفّلًا” على مهنة الصحافة، أو “صاحب أجندة سياسية” موجًها للرأي العام، أو “مقسّمًا” للتونسيين “يعمل لصالح صاحب القناة”.

لا يهمّنا هنا أن ندين “الكرونيكور” أو نهوّن من شأنه كما يفعل البعض، كما لا يهمّنا أيضًا أن نتحدث عنه وكأنه “صوت حرّ” أو”فارس حرية الصحافة”

لا يهمّنا هنا أن ندين “الكرونيكور” أو نهوّن من شأنه كما يفعل البعض، كما لا يهمّنا أيضًا أن نتحدث عنه وكأنه “صوت حرّ” أو”فارس حرية الصحافة”، ذلك أن ما نسعى إليه هو استكشاف مسار تكوّن هذا الفاعل الجديد من منظور “جينيالوجي” (علم الجذور والأصول) إذا شئنا، وأن نستكشف أيضًا السياق الذي جعل سطوته ممكنة على الصحافة السياسية وأدواره في المجال العمومي الجديد.

“الكرونيكور” أنواع

لكن قبل ذلك، علينا أن نشير إلى أن “الكرونيكور” أنواع في الحقيقة. إضافة إلى “الكرونيكور” السياسي، نجد أيضًا “الكرونيكو” الرياضي و”الكرونيكور” الترفيهي إذا صحّت العبارة. ونحن نهتمّ هنا أساسًا بـ”الكرونيكور السياسي” علمًا وأن الأنواع الأخرى من “الكرونيكور” لا تتردد أحيانًا في الحديث في شؤون السياسية.

بل يمكن أن نرى أحيانًا “كرونيكورًا” رياضيًا (في الأصل قد يكون محاميًا مثلًا) يتحوّل بلا عقد ولا خجل إلى محلل للأحداث السياسية في البرامج (الإذاعية الصباحية أو المسائية) التي تمزج بين الخبر والترفيه (ما يسمّى Infotainment).

هوية “الكرونيكور” الهجينة

لـ”لكرونيكور السياسي” هوية هجينة في كثير من الأحوال، فهو ليس دائمًا صحفيًا بالمعنى المهني للكلمة أي أنه لا يستمد جلّ موارده الحياتية من مهنة الصحافة لأنه يمارس أحيانًا مهنة أخرى كالمحاماة على وجه الخصوص، كما أنه لا يباشر أنشطتها المعلومة أي صناعة المواد الإخبارية بأنواعها المختلفة.

وتأكيدًا على هذه الهوية الهجينة، يُطلق أحيانًا على “الكرونيكور السياسي” في فرنسا عبارة “مثقف الميديا” (L’intellectuel médiatique) أي أنه يمكن أن يختزل، أو يسعى إلى ذلك، دور المثقف الذي يطمح إلى أن يكون صوت المجتمع أو ناقد السلطة دون أن تكون لديه بالضرورة كتابات أو إنتاجات معرفية ما.

لماذا يجب أن نهتم بأدوار “الكرونيكور”؟

يحتلّ “الكرونيكور” السياسي في تونس مكانة أساسية في المجال العمومي والنقاش العام السياسي وفي الصحافة السياسية إجمالًا، فهو يظهر يوميًا في البرامج الحوارية الإخبارية في القنوات التلفزيونية والإذاعية ويحظى بقسط كبير من الوقت (Le temps d’antenne) يتحدّث فيه إلى التونسيين. وقد يكون “الكرونيكور” السياسي، أو بعضهم على الأقل، من أكثر “الفاعلين” الذين يتمتعون بالظهور والحديث للتونسيين في تاريخ الميديا في تونس. ويمكن المغامرة بالقول إن السياسيين المختلفين الذين تداولوا على السلطة في تونس، وقد يكون الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة من بينهم، لم يحظوا بهذا الوقت الوفير لمخاطبة التونسيين يوميًا عبر الشاشات وأمواج الأثير.

يمكننا أن نقول، نظريًا، إن التأثير الممكن لـ”الكرونيكور” السياسي متّصل بنوع مخصوص من إستراتيجيات التأثير التي تمارسها الميديا في المجال العمومي (لا يعني هذا أن الجمهور ينقاد صاغرًا لهذا الإستراتيجيات). فالميديا يمكن أن تحدّد المسائل التي يفكر فيها الجمهور، فتنتقي أحداثًا بعينها وتحوّلها إلى مشاغل مركزية لدى الناس عبر تقنيات عديدة بأساليب مختلفة كالتكرار والترتيب في نشرات الأخبار أو وضعها في الصفحة الأولى من الصحيفة.

قد يكون “الكرونيكور” السياسي، أو بعضهم على الأقل، من أكثر “الفاعلين” الذين يتمتعون بالظهور والحديث للتونسيين في تاريخ الميديا في تونس

ويسمّى هذا النوع من التأثير وضع الأجندة” (Agenda setting). وإضافة إلى تحديد القضايا التي يمكن أن يفكّر فيها الناس، تضع لنا الميديا والصحافة أطرًا (Cadres) نفهم من خلالها الأحداث التي تنتقيها الميديا التي تؤدي دور الوسيط بيننا وبين الوقائع والأحداث، وعلى هذا النحو ننظر إلى الواقع عبر الميديا التي تمثل نافذة نرى منها ما تريد الميديا أن نراه.

إن دور “الكرونيكور” ليس إخباريًا لأنه لا يأتينا بالأخبار ولا يتحرّى فيها دائمًا ودوره ليس تفسيريًا لأنه لا يأتينا بمعارف جديدة نفهم من خلالها الأحداث، كما أن دوره ليس استقصائيًا لأنه لا يكشف لنا ما تريد السلطة أن تخفيه من فساد. يتمثّل دوره أساسًا في أنه يستقرأ الأحداث ويؤولها، أو بتعبير آخر يقول لنا كيف يجب أن نفهمها، وما يجب أن نراه خلف مسرح الأحداث أو هو يكشف لنا المنطق الخفي للأحداث. وعادة ما يستند “الكرونكيور” السياسي إلى إطار معين (حداثي، نقدي، ثوري إلخ) أي أن له مرجعية أيديولوجية أو سياسية مخصوصة يستقرأ بها الأحداث.

وتتصّل حظوظ نجاح “الكرونكيور” بهذا الدور الأيديولوجي السياسي الذي يقوم به. وقد ساهمت حالة الاستقطاب السياسي التي تعيشها البلاد بشكل كبير في توفير الفرص الضرورية لصعود “الكرونيكور” وبسط سلطتهم على الصحافة السياسية. فالاستقطاب السياسي يخلق حالة من الانقسام في المجتمع، وتعيش قطاعات من التونسيين داخل فضاءات منغلقة تغذيها المخاوف ومشاعر الغضب والهلع من الآخر المخالف أيديولوجيًا وسياسيًا.

ويحبذ بعض التونسيين في هذه الحالة التعرض إلى المعلومات والمعارف والحجج التي تتطابق مع قناعاتهم، وتسمّى هذه الحالة “غرف الصدى” (Les chambres d’échos أو Echos chambres). ويساهم “الكرونيكور” بتعزيز هذه الحالة لأنه لا يسعى إلى إنارة الجمهور بالبحث عن الحقيقة، فالمنهجية التي يستخدمها لا تضمن له تحقيق هذه الغاية لأنه يدافع عن وجهة نظره دائمًا، عن موقف ما وعن رأي ما.

لماذا يأتي “الكرونيكور السياسي” من مهن أخرى ومن المحاماة تحديدًا؟

يأتي “الكرونيكور” السياسي في تونس من مهن أخرى غير الصحافة، وبما أنه صاحب رأي فإن “الكرونيكور السياسي” لا يحتاج إلى أن يتفرّغ للصحافة، أو بتعبير آخر لا يحتاج إلى أن يقضي وقته في البحث عن المعلومات وجمعها من المصادر المختلفة أو أن يتحرّى فيها، فهذا يحتاج منه وقتًا طويلًا لا يملكه.

لا بد من أن نلحظ أن عددًا لا بأس به من “الكرونيكور” السياسي هم محامون، ويمكن القول إن المحاماة من أكثر المهن التي تغويها السياسة. فعدد لا بأس من السياسيين من عالم المحاماة منذ الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وصولًا إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. كما أن المحاماة هي المهنة الأكثر تمثيلًا في مجلس نواب الشعب. وقد يكون هذا الاهتمام مرجعه الدور السياسي الذي يسعى المحامون لأدائه في المجتمع متمثلين مهنتهم من منظور الحريات العامة. ويعتبر العميد شوقي الطبيب في كتابه “المحامون والسياسة” (بالفرنسية) أن هذه العلاقة قديمة وتعود إلى تأسيس المهنة في نهاية القرن التاسع عشر.

يتمثل أسلوب “المرافعة التلفزيونية” في البعد العاطفي أي في توظيف العواطف والأهداف التي يستدعيها “الكرونيكور” كالغضب على الحكومة والنخب السياسية ومن تيارات سياسية بعينها

وإذا كانت علاقة السياسة بالمحاماة قديمة، فإن علاقتها بالصحافة كذلك ليست جديدة. إذ كان الحبيب بورقيبة محاميًا وصحفيًا في الوقت ذاته، وقد كان عدد لا بأس به من المحامين من كتّاب مقالات الرأي في الصحافة المستقلة في الفترة الممتدة من نهاية السبعينيات حتى التسعينيات. وتؤهل المحاماة المحامي الذي يرغب في التعليق اليومي على الأحداث السياسية اليومية في التلفزيون، فلا بد أن يكون “الكرونيكور” السياسي خطيبًا بارعًا قادرًا على إتقان فنون الحجاج، وهو كالمحامي يقوم بمرافعة (Plaidoirie) يومية.

ويتمثل أسلوب “المرافعة التلفزيونية” في البعد العاطفي أي في توظيف العواطف والأهداف التي يستدعيها “الكرونيكور” كالغضب على الحكومة والنخب السياسية، ومن تيارات سياسية بعينها (نداء تونس أو النهضة)، والخوف من الأزمة الاقتصادية، ومن المستقبل، أو من إفلاس الدولة، ومن عودة الجهاديين وعودة النظام السابق إلخ. وفي كل الأحوال، يوجد دائمًا، مهما كان انتماء “الكرونيكور” السياسي، خطر ما يستدعي الخوف والهلع والغضب.

ويستخدم المحامون أيضًا في مرافعاتهم كلمات ذات وقع على المستخدم، وتتمثل براعة “الكرونيكور السياسي” في البحث عن الكلمات التي تثير مشاعر المشاهدين أو المستمعين بتغطية معينة للأحداث حتى تصبح “بوزا” تتلقفها بعض المواقع موضوعًا تغذي الجدل المستمر والصدام والانقسام في فيسبوك.

وفي كل الأحوال، ليست هناك مدرسة يتعلم فيها “الكرونيكور السياسي” أساليب الخطابة التلفزيونية مما يفسر كيف أن المحامي “الكرونيكور السياسي” يوظف تجربته في الحجاج ليعيد توظيفها وتطويعها للظهور التلفزيوني حتى ينجح في مرافعته التلفزيونية اليومية.

فرضيات حول مكانة “الكرونيكور” في الحقل الصحفي

أولًا: المصدر الخارجي (الفرنسي) أو استنساخ القوالب البرامجية الأجنبية

تستنسخ الميديا التونسية عدة أشكال برامجية من الميديا الفرنسية، ويمكن القول إن ظاهرة “الكرونيكور” مستوردة على نحو ما من الميديا الفرنسية. ويُطلق في فرنسا على “الكرونيكور” السياسي صفة “Editorialistes” (تُطلق عادة على صاحب عمود الرأي في الصحافة المكتوبة والمعلقين التلفزيين والإذاعيين) تأكيدًا على أن هذه الفئة من الفاعلين في الصحافة يمارسون صحافة الرأي. وترتبط مكانة “الكرونيكور” السياسي في الميديا الفرنسية بظهور القنوات الإخبارية فيما يبقى وجوده في القنوات غير الإخبارية نادرًا. وتشير بعض التقارير الصحفية إلى أن أكثرهم لا يتقاضون أجورًا على مداخلاتهم لأنهم يوظفون ظهورهم التلفزيوني كاستثمار للحصول على مكاسب أخرى عديدة.

يتعرض “الكرونيكور” السياسي إلى نقد كبير في فرنسا أيضًا كما هو الحال في تونس، إذ تحوّل بعض “الكرونيكور” في فرنسا من استقراء الأحداث وتحليلها إلى موضوع للأحداث ذاتها تمامًا كما يحدث في تونس

ويتعرض “الكرونيكور” السياسي إلى نقد كبير في فرنسا أيضًا كما هو الحال في تونس. إذ تحوّل بعض “الكرونيكور” في فرنسا من استقراء الأحداث وتحليلها إلى موضوع للأحداث ذاتها تمامًا كما يحدث في تونس أحيانًا على غرار الكاتب الصحفي أيريك زمور (Eric Zemmour) الذي أثار جدلًا واسعًا في فرنسا لأنه عادة ما يصنف على أنه معادي للمهاجرين بل وللعرب وللمسلمين كذلك. وعمل زمور في عدة قنوات إخبارية مثل “Cnews” وقد احتج الصحفيون على عودته إلى القناة، ويثير هذا “الكرونيكو” ردود فعل قوية جدًا حتى أن بعض المستشهرين يقاطعون البرامج التي يظهر فيها.

ثانيًا: طبيعة الصحافة السياسية السائدة وضمور التنوع فيها

لا يمكن اختزال الصحافة السياسية في نقد السياسيين أو التعليق على الأحداث السياسية أو عرض أحداث الحياة السياسية اليومية لأن ذلك لا يمثل سوى مستوى من مستوياتها. إذ تتجاوز الصحافة السياسية ذلك نحو مجالات أخرى ووظائف أكثر تنوعًا تشمل أولًا إخبار المواطنين عن الحياة السياسية وعدم الاكتفاء بأحداث الأحزاب والشخصيات السياسية، وثانيًا التحري في تصريحات السياسيين والتثبت من أنها تحيل على وقائع حقيقية وأصيلة.

ولعلّ وظيفة التحري في التصريحات السياسية هي أهم وظيفة على الإطلاق للصحافة السياسية كما تدل على ذلك التجارب العالمية وخاصة في الولايات المتحدة، حيث أطلق على سبيل المثال في “واشنطن بوست” منصة خاصة في صحافة التحري.

لعلّ وظيفة التحري في التصريحات السياسية هي أهم وظيفة على الإطلاق للصحافة السياسية كما تدل على ذلك التجارب العالمية

فيما تتمثل الصحافة السياسية في تونس بعد الثورة كصحافة عوالم السلطة وصراعاتها الظاهرة والخفية عبر التركيز على حياة الأحزاب وعلى الشخصيات السياسية والأروقة الخلفية للسلطة بديلًا عن النقاش في الأفكار السياسية وفي السياسات. فلا يمكن فهم المكانة التي احتلها هذا الصراع بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والقيادي في نداء تونس حافظ قائد السبسي في الصحافة السياسية خارج إستراتيجية البرامج السياسية (التلفزيونية) على وجه الخصوص المتمثلة في استبدال النقاش في السياسة والسياسات بالنقاش في شؤون السياسيين.

وعلى هذا النحو، إن مكانة “الكرونيكور” في الصحافة السياسية وسلطانه عليها متصل أشد الاتصال بمحدودية تنوّع الصحافة السياسية وضمور الابتكار فيها. ويمكن تفسير محدودية التنوّع بالموارد المادية المحدودة للمؤسسات لتطوير صحافة الجودة القائمة على التحقيقات والاستقصاء.

ثالثًا: صحافة منخفضة التكلفة بعائدات سياسية جيدة

تمثّل الأخبار خدمة مكلفة بالنسبة إلى المؤسسات الميديا تحتاج طواقم صحفية وتمويل مكلف لعملهم، فتعمل هذه المؤسّسات على تقليص الإنتاج الإخباري والتخلص من أعبائه، وهكذا يمكن أن نفهم تراجع نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونية. ويصبح البرنامج الحواري البديل عن صحافة إخبارية مكلفة، فالبرنامج الإخباري الحواري نوع من الصحافة ذات التكلفة المنخفضة (Low-cost journalism) يملأ ساعات البث الطويلة. ويمكن لهذه الصحافة ذات التكلفة المنخفضة أن تكون ذات عائدات سياسية جيدة إذا تم استثمار البرنامج وطاقمه برمته لخوض المنافسات السياسية.

رابعًا: علوية صحافة الرأي في المخيال الصحفي

ثمة ثلاثة نماذج تتنازع المخيال للصحفي أو الهوية الصحفية أولًا نموذج الصحفي صاحب الرأي والمناضل والمدافع عن قضية على غرار “الكرونيكور”، وثانيًا نموذج الصحفي الناقل للأخبار (الوسيط)، وثالثًا نموذج الصحفي الاستقصائي.

لا يزال يحتفظ الصحفي صاحب الرأي ببريقه، فالصحفي من هذا المنظور هو “صانع رأي عام” و”قائد رأي”. وتتكرر هذه الشعارات في خطابات الصحفيين المهنية عن الصحافة. وقد يستمد “الكرونيكور” سلطته من هذا التمثل للصحافة باعتبارها “فن” قيادة الرأي العام فتصبح فيها المواقع المتقدمة للمتحدث صاحب الرأي الفصيح، ذي القدرة على تحليل الأحداث على حساب الصحفي الذي يقوم بالتحقيق والاستقصاء أي بمعنى آخر الصحفي مزوّد المواطنين بالأخبار.

لكن صورة الصحفي “قائد الرأي” و”موجه الجماهير” تحيل على مفارقة أساسية، فهذا التمثل لوظيفة الصحفي تشكّلت في سياق تاريخي، قبل ظهور الأنترنت، كانت فيه الصحافة حكرًا على النخب المثقفة التي تستأثر بموارد الاتصال في المجال العمومي: سلطة الكلام والانتقاد. أما الآن، فقد تغير هذا الشأن بظهور الميديا الاجتماعية التي أصبح فيها للجميع (نظريًا على الأقل) الحق في التعبير والكلام والتعليق، حتى أن بعض التدوينات تقرأ أكثر من مقلات الرأي قي الصحف أو في المواقع.

لا يمكن أن ندرس مكانة “الكرونيكور” وسلطانه دون أن نفهم أنظمة توزيع الوجاهة المهنية في مهنة الصحفي باعتبارها مؤشرًا جيدًا على تنظيم المهنة

هكذا نرى كيف تراجعت بشكل كبير في الديمقراطيات صحافة الرأي ونموذج الصحفي قائد الرأي، وكذلك الدور التمثيلي للصحافة لصالح الدور الإخباري ولصالح أنواع جديدة من الصحافة على غرار صحافة البيانات “Data Journalism”، وصحافة التحري “Fact Checking”، وصحافة الاستقصاء والصحافة التفسيرية.

ولا يمكن أن ندرس مكانة “الكرونيكور” وسلطانه دون أن نفهم أنظمة توزيع الوجاهة المهنية في مهنة الصحفي باعتبارها مؤشرًا جيدًا على تنظيم المهنة. والجاه المهني مفهوم طوراه الباحثان هالين ومانشيني (Hallin and Mancini) في كتابهما “أنظمة الميديا المقارنة” (Comparing Media System) الذي يحيل على مؤشرات التميز في المهنة. والصحافة ككل المهن الأخرى (الطب والمحاماة مثلًا) تقوم أيضًا ضمنيًا وعمليًا على هذا المؤشرات التي يمكن أن تؤثر في بريق المهنة الاجتماعية (قدرتها على جذب الأجيال الجديدة) وعلى التنشئة المهنية للصحفيين الشبان.

ففي الولايات المتحدة على سبيل المقال، أصبح الصحفي الاستقصائي يحمل الوجاهة المهنية منذ “فضيحة ووترغيت”، فالصحفي المثالي هو الصحفي الميداني الذي يعمل خارج المكتب ولا يكتفي بنقل الأخبار بل يحقق ويستقصي ويكشف عوالم السلطة وأسرارها الخفية. وقد جسدت هوليوود هذا المخيال الصحفي في عدة أفلام معروفة على غرار فيلم “كل رجال الرئيس” (All the President’s Men) الذي يروي قصة الصحفيان كارل برنشتاين (Carl Bernstein) وبوب وودوارد (Bob Woodward) اللذان كشفا الجوسسة السياسية التي أفضت إلى استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في “فضيحة ووترغيت”، أو فيلم “تحت النار” (Under Fire) الذي يحكي قصة مراسل صحفي أمريكي في أمريكا اللاتينية، أو فيلم “Spotlight” الذي يروي قصة تحقيق استقصائي أنجزه فريق صحفي يعمل في صحيفة “Boston Globe”.

أما في فرنسا، تراجعت مكانة صحافة الرأي، بكل أوجهها، تراجعًا كبيرًا لصالح الصحافة الإخبارية والاستقصائية التي تجسدها اليوم برامج على غرار “Cash Investigation” وهو برنامج صحافة استقصائية تقدمه الصحفية اليس لوسي (Élise Lucet) في القناة الثانية الفرنسية. فيما يختزل الصحفي أدويل بلانال (Edwy Plenel) في فرنسا نموذج الصحفي الميداني الذي قام صيته على تحقيقاته حول الرئاسة الفرنسية.

ليست سطوة “الكرونيكور السياسي” والرأي على الصحافة السياسية التونسية سوى مؤشرًا على طبيعتها غير المتنوعة وعلى محدودية الابتكار فيها

ويتجسد الجاه المهني (Le prestige professionnel) في الحقل الصحفي التونسي في التعليق على الأحداث أو في إطلاق الآراء على الحياة السياسية في برنامج يومي في التلفزة (أساسًا) أو الإذاعة أو في مقال رأي (بدرجة أقل بكثير). إذ يحقق الحضور اليومي في التلفزيون لـ”الكرونيكور” السياسي النجومية وكل ما يترتب عنها من فوائد اجتماعية أو رمزية (الاعتراف الاجتماعي) بما أن بعضهم على الأقل يسعى إلى الاستحواذ على دور “السلطة الرابعة” باعتبارها وظيفة الصحافة فيقدم نفسه على أنه ناقد السلطة السياسية ورقيبًا عليها.

لقد عرفت صحافة الرأي في تونس مسارات معقدة ومخصوصة. وكانت الصحافة التونسية منذ نهايات القرن التاسع عشر والى حدود الاستقلال هي صحافة رأي التي اتصلت، بعد الاستقلال، بالنضال من أجل حرية الصحافة ومعارضة النظام. إذ اختزلت جريدة “الرأي”، على سبيل المثال، الصحافة البديلة والحرة والمستقلة مقابل صحافة السلطة. ولم تكن الصحافة البديلة عن الصحافة الرسمية صحافة خبر تحقيق واستقصاء بل كانت أساسًا صحافة رأي. كما اختزلت صحافة الرأي طويلًا صورة الصحفي الحر التي تجعل من الصحفي مثقف وصاحب رسالة.

في المقابل، لا يزال نموذج الصحفي الميداني الذي يجتهد لإنتاج الريبورتاج والتحقيق والاستقصاء نموذجًا جنينيًا لم يحصل بعد على الاعتراف المهني رغم أن بعض الصحفيين الاستقصائيين الشبان أصبحوا يمثلون مثالًا لزملائهم.

الخلاصة

يبدو “الكرونيكور السياسي” فوق الصحافة لا يلتزم دائمًا بقيمها الأخلاقية أو بمبادئها المهنية، فالموضوعية لا تعنيه والحياد مبدأ يصلح لعموم الصحفيين، أما الميدان فهو مصير المبتدئين المحتوم. هكذا يصنع لنفسه مشروعية فوق المساءلة فينخرط بلا حرج في كل المعارك المتاحة التي تُعرض يوميًا على الشاشة حتى أنه يمكن القول إن “الكرونيكور السياسي” يؤسّس لما يمكن أن نسميه “صحافة الشاشة” وهي صحافة مشهدية، وانفعالية وخطابية وذاتية، و تبجل المواقف على الوقائع، مثيرة تستقطب المشاهد أو المستمع في كل لحظة تتعامل معه ككائن شعوري، وهي أيضًا صحافة تعليمية تستدعي التونسيين كل يوم وكل ليلة كي يفهموا العالم.

لكن سطوة “الكرونيكور السياسي” والرأي على الصحافة السياسية التونسية ليست سوى مؤشرًا على طبيعتها غير المتنوعة وعلى محدودية الابتكار فيها. كما أن هذه السطوة عرض من أعراض أزمة هذه الصحافة السياسية بما أنها تخلت عن النقاش في السياسة لصالح النقاش في شؤون السياسيين وسرد كواليس العوالم السياسية. كما أن نقد “الكرونيكور” والقدح في مهنيته وفي مصداقيته والتشهير به لا يكفي لإرساء صحافة سياسية مهنية ومبتكرة تقوم بدور الرقابة على السلطة السياسية.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع ألترا تونس

شاهد أيضاً

هل رفض قيس سعيّد منح النواب جوازات سفر ديبلوماسية؟

تناقلت وسائل إعلام مختلفة مؤخرًا أخبارًا عن “رفض” رئاسة الجمهورية التونسية الاستجابة لمطلب مجلس نواب …