الأحد , 29 مايو 2022
الرئيسية / المقالات الرئيسية / بالحسن الطرابلسي: الرجل الفار من عدالة بـَلديـن!

بالحسن الطرابلسي: الرجل الفار من عدالة بـَلديـن!

العدالة، هي ذاتُها حيثما وليّت وجهك. في الصين، في كندا، في تونس. أساسٌ كوني اجتمعت تحت نيرهِ الأنظمة القضائية، مانحةً القضاء الدّولي سُلطتهُ إن خرج-أُخرج الأمرُ عن سيطرةِ القضاءِ الوطني.

43 بطاقة جلب دولية، 17 منشور تفتيش على المستوى الوطني/التونسي، 27 سنة سجن، وخطية مالية تناهز 9 مليون و15 ألف دينار، تهم بتبييض أموال ووثائق مزورة. هذه حصيلة عقود فساد ظنّ بلحسن الطرابسي صهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي أنها لن تنتهي، إلى أن كنسهُ شيء ما، علّه يكون ثورة أو انتفاضة أو زوبعة في فنجان، إلى إيطاليا فجر 15 جانفي 2011، ومنها إلى كندا، ليصبح وصــمُ الطرابلسي: فارًا من العدالة.

آخر ما ورد من القضاء الفرنسيّ إلى أسماعنا، أن محكمة الاستئناف بـ”آيكس أون بروفانس” قد قضت بالإفراج المؤقّت عن بلحسن الطرابلسي مع إخضاعه لإجراءات رقابية صارمة، تتمثل في وضعه تحت الرقابة القضائية عبر تحديد مقر إقامته ومنعه من مغادرة الأراضي الفرنسية وتسليمه جوازات السفر التي بحوزته إلى المحكمة وإلزامه بضرورة الحضور والتوقيع بصفة دورية على محضر خاص لدى الجهات المختصة. حرية مشروطة، سيتمتعُ بها التونسي الفار من عدالةِ بلده ليحتمي بعدالةٍ أروبية تراهُ -رغم تكرر الطعون- مذنبا كذلك.

أضاع الطرابلسي على نفسه فرصة المصالحة، عبر قانون العدالة الانتقالية ومسار التقاضي من خلال هيئة الحقيقة والكرامة التي استفاد منها كثيرون ( سليم شيبوب، مثلاً). 8 سنوات اختار فيها الهرب لتتكدّس ضده الأحكامُ الغيابيّة، وأحكام الإدانة التي تثقل ملفه القضائي. بعد أن أطردتهُ كندا، لما يتعلق به من جرائم حق عام في بلده الأصلي، عمّ الصمت على ملف الطرابلسي-المطلوب لدى العدالة التونسية. ولمْ تعد قضيّتهُ الى الواجهة سوى بداية السنة الحالية، عندما علمت بيزنس نيوز بإيقافه في فرنسا بشبهةِ حمل وثائق مزورة وتبييض الأموال. يبدُو أن السلطات التونسية- كالعادة، كانت تنتظر دفعة ما لتعيد النظر في ملّف مواطن مازال يحمل جنسيّها وبالتالي له الحق في محاكمة عادلة في بلده. ليأتي الحدث على شاكلة ردة فعل، لا فِعل طواعي من الجانب التونسي. بعد أن أعلمها الانتربول بالأمر، وجهت تونس في 15 مارس 2019 مطلبا للسلطات الفرنسية أكدت من خلاله رغبتها في تسلم الطرابلسي مجهزّة ملفا جزائيا ضخمًا. في 28 مارس 2019 أذنت فرنسا بإطلاق سراح بلحسن الطرابلسي من أجل الأفعال المنسوبة إليه على التراب الفرنسي بعد أن يتولى تقديم ضمان بنكي قدره 100 ألف أورو. في نفس اليوم وجهت تونس مراسلة عاجلة إلى السلطات الفرنسية أكدت فيها مجددا على وجوب تفعيل مقتضيات الفصول 30 إلى 32 من اتفاقية التعاون القضائي في المادة الجزائية والتسليم المبرمة بين تونس وفرنسا في 28 جوان 1972 وإيقاف بلحسن الطرابلسي مؤقتا إلى حين البت في مطلب التسليم مع إضافة كل المؤيدات اللازمة للملف-الضخم من أحكام و تتبعات جزائية ضده أمام القضاء التونسي وهو ما استجابت إليه السلطات الفرنسية.

يُحتمل أن لإسم سجن “لي بومات” بمرسيليا وقع رومانسيّ، بدل خشونة “المرناقيّة” التي لاتليق برجل أعمالٍ سابق. دائرة التحقيق بمحكمة الاستئناف بآكس أون بروفنس رفضت في 10أفريل 2019 طعنا تقدّم به الطرابلسي ضد القرار القضائي القاضي بإيقافه مؤقتا، وبعد طعنٍ ثان، تم الإفراج عنه مؤقتا. خطّة الطرابلسي هي الإفلات من القضاء التونسي مهما كلفه الأمر، وقد نجح فيها إلى حد الآن رغم أن ذلك كلفه الوقوف أمام القضاء الفرنسي. الرجل يفضل محاكمة أروبيّة، ربما ظنّا منه أن العدالة التونسيّة ستعتمد التشفي والإنتقام بدل القانون، رغم أن التشريعات التونسية مستلهمة من فقه القضاء الأروبي، ورغم ترسانة القوانين الدولية التي تلتزم بها تونس في مجال المحاكمة العادلة وحقوق الانسان. لكن –لسوء حظه- يمثل الطرابلسي لدى المحكمة الفرنسية المختصّة للبتّ في مطلب تسليمه الى تونس قبل في جوان 2019. وزارة العدل من جهتها أكدت ثقتها الكاملة قي استقلالية ونزاهة القضاء الفرنسي وحسن تطبيقه للقانون.

وكيلا الدفاع عن الطرابلسي كزافييه نوغيراس ومارسيل سيكالدي اعتبرا قرار محكمة الاستئناف الأخير انتصارا، واعتبرا في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية أن القضاة الفرنسيين لم يستسلموا للضغوط السياسية والإعلامية وطبقوا القانون. يعزم الدفاع عن الطرابلسي طلب الارجاء في تسليمه الى تونس في محاكمة جوان القادمة. مماطلة قانونية سيعتمدها محامو الدفاع حتى يأخروا تسليم الفار من العدالة الى قضاء بلده رغم أن خطورة القضايا الموجهة ضده على التراب الفرنسي لا تقل خطورة عن نظيراتها في تونس “غسل أموال في إطار عصابة منظمة وإخفاء وثائق إدارية مزورة واستخدامها والتواطؤ فيها ودخوله كأجنبي بشكل غير قانوني إلى الأراضي الوطنية”. جرائم من الدرجة الأولى قد يقضي على اثرها عقودا في السجون الفرنسية كذلك، لكن الطرابلسي الحر مؤقتا، مازال يصر على برائته من التهم الموجهة اليه، اذ أطل عبر السكايب في سنة 2017 انه كون ثروته طيلة ثلاثين عاما من “العمل” في مجال السياحة والفنادق وبيع وشراء الأراضي وانشاء معمل لصناعات السكر ومعمل اسمنت بالاضافة الى انشاء شركة انتاج سمعي بصري بالشراكة مع رجال أعمال نافيا كل تهم الفساد الموجهة اليه. كان ذلك اخر تواصل علني للطرابلسي مع الجانب التونسي. أما من الجانب الرسمي التونسي أكد محمد كريم الجموسي وزير العدل أن تونس حظوظها وافرة لتسلم الطرابلسي، وبالتالي سيحاكم في تونس تبعا للقانون التونسي.

لعل بالحسن الطرابلسي حر الان، لكنها حرية لن تدوم. “لست حرا” يقول كازانتزاكيس في رواية زوربا اليوناني. “كل ما في الأمر أن الحبلَ المربوط في عنقك أطول قليلاً من حبال الآخرين” مساحة التصرف التي يملكها بالحسن، أوسع مما يتمتع به غيره من الفارين من العدالة، اسم, وسمعة، ومال يسهل له التسويف والمماطلة وتسخير دفاع يمكنه من فرصة ثانية. ان مايتمتع به الان ليس الا وضعا مؤقتا سينتهي مع المحاكمة القادمة. الرجل يواجه تهما لو جمعت قد يقضي حياته وراء القضبان، حسب أي عدالة يشاء، عدالة بلده الذي لايثق في قضاءه أو عدالة بلد فر اليه بصفة غير قانوية، أو عدالة بلد أطرده ورفض التمديد في اقامته.

يمكنكم قراءة المقال الأصلي على موقع Business News عربي

شاهد أيضاً

تونس: توصيات وزارة الصحة للقادمين من البلدان الموبوءة بجدري القردة

دعت وزارة الصحة، اليوم الخميس، الأشخاص القادمين من البلدان الموبوءة بفيروس جدري القردة أو خالطوا …