السبت , 28 يناير 2023
الرئيسية / المقالات الرئيسية / تحليل إخباري: قرار تمديد أم طلب تمديد؟.. نزاع جديد بين هيئة الحقيقة والبرلمان.. وأزمة في الأفق وقودها ضحايا الانتهاكات

تحليل إخباري: قرار تمديد أم طلب تمديد؟.. نزاع جديد بين هيئة الحقيقة والبرلمان.. وأزمة في الأفق وقودها ضحايا الانتهاكات

فتح “قرار” هيئة الحقيقة والكرامة الذي أصدره أول أمس بالتمديد في عملها لـسبعة أشهر إضافية فصلا آخر من فصول الصراع المتسلسل بين السلطة التشريعية وهيئة الحقيقة والكرامة. فبعد كسب الهيئة لمعركة المصادقة على ميزانية 2018 وما تبعها من جدل سياسي حول عمل الهيئة و”شبهة” مصاريفها الباهظة وانتقاد بطء أعمالها، سيكون على الهيئة هذه المرة خوض معركة قانونية لن تغيب عنها “بهارات” السياسة لكسب تأييد المجلس لقرارها في التمديد، وذلك لن يكون سهلا بالمرة لعدة اعتبارات.

فبين هذا وذاك، تربض عشرات الآلاف من ملفات الضحايا المعروضة على هيئة الحقيقة والكرامة في انتظار صلح غائب واعتذار منتظر قد يأتي وقد لا يأتي وجبر للضرر مستحق لكنه سيصطدم بعقبات عديدة من أهمها معضلة التعويض المادي وكيفية تأمينه وصرفه وتلك مشكلة أخرى..

بالعودة إلى تصريحات سهام بن سدرين رئيسة الهيئة، فإن تقدما في معالجة ملفات الضحايا حاصل لكنه يصطدم – وفقا لوجهة نظرها- بعقبات وعوائق عديدة منها رفض معظم مؤسسات الدولة التعامل مع الهيئة وتيسير مهامها، علما أن الأخيرة يلزمها القانون بإعداد تقرير شامل ومفصل عن عملها، قبل انتهاء مهمتها القانونية، وغلق ملفات الضحايا نهائيا وتبويبها وحصر من يستحق الاعتذار والتعويض وجبر الضرر.. فهل تقدر -والحال تلك- على اتمام عملها قبل نهاية العام الجاري؟

جدل قانوني.. وسياسي أيضا..

لا يختلف اثنان أن البرلمان هو السلطة الأصلية وترجع إليه الكلمة الأخيرة في تثبيت التمديد من عدمه. لكن بالرجوع إلى القانون الأساسي للعدالة الانتقالية يتضح أن العديد من أحكامه وفصوله القانونية كانت ضعيفة الصياغة أو تحتمل التأويل فيما خضعت فصول أخرى وفقا لرؤى معينة وآراء متناقضة فيما هي لا تحتمل التأويل أصلا مثل الفصول التي تنظم سير عمل مجلس الهيئة وأشهرها الفصل 59 الذي ينصّ على أن “الهيئة تجتمع بدعوة من رئيسها أو من ثلث أعضائها ولا تكون اجتماعاتها صحيحة إلا بحضور ثلثي الأعضاء”. ويستند معارضو التمديد إلى هذا الفصل للطعن في شرعية قرارات الهيئة. كما اتضح أن ثغرات قانونية في القانون المذكور طفت على السطح بالممارسة والتطبيق..

فإن كانت الهيئة تعتبر أنها طبقت مضمون الفصل 18 من قانون العدالة الانتقالية بحذافيره و”قررت” التمديد مع تعليل لمجلس النواب حتى “يذعن” لقرارها، فإن مجلس النواب قد يتعامل مع بلاغ الهيئة كـ”طلب” تمديد وليس كـ”قرار” تمديد، ومن هنا سيكون منطلق النزاع والتأويل القانوني بين من يناصر الهيئة في قرارها ومن ينتصر الأصلية مجلس نواب الشعب.

من خلال ردود الأفعال الفورية لقرار الهيئة، يتضح أن الجدل القانوني انطلق بعد، فبعض النواب انتقدوا صيغة البلاغ الصادر عن الهيئة، وبعض رجال القانون بدؤوا بالفعل في تقديم قراءات مختلفة ومتناقضة عن قرار الهيئة.

فرضيات التعامل مع القرار

لكن ومهما يكن من أمر فإن تصريح مساعد رئيس مجلس نواب الشعب حسونة الناصفي، لوكالة تونس إفريقيا للأنباء حين أكد أن مكتب المجلس سينظر في اول اجتماع له في «طلب» الهيئة، له دلالات عميقة من خلال توصيفه لبلاغ الهيئة بـ”طلب” تمديد، وليس بـ”قرار”، وثانيا حين أشار إلى أن قرار تمرير الطلب إلى الجلسة العامة للنقاش والتصويت ليس بالأمر الاعتباطي، ملمحا إلى أن الحسم في ذلك قد يكون إما بتوافق أعضاء مكتب المجلس أو بالتصويت ان تعذر ذلك في إشارة إلى أن مصير طلب )قرار) التمديد قد يجابه بالرفض في مكتب المجلس وليس في الجلسة العامة.. حينها سيكون الرأي العام أمام تبعات احتمالين:

تبعات الاحتمال الأول -وهو الأسلم للجميع- بتمرير طلب التمديد إلى الجلسة العامة للمصادقة مع فرضية موافقة الأغلبية على التمديد لمدة محددة لا تتجاوز نهاية ديسمبر المقبل مثلما طالبت بذلك الهيئة.. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن قرار الجلسة العامة بالموافقة ستكون له كلفة سياسية ومادية، سياسية من خلال فرضية حضور رئيسة الهيئة إلى الجلسة المخصصة للتصويت للمساءلة النيابية مرة أخرى، ومادية باعتبار أن التمديد يفترض تخصيص ميزانية اضافية للهيئة تقدر مبدئيا بأكثر من 8 مليون دينار 8.322) مليون دينار هي ميزانية الهيئة المصادق عليها في قانون المالية حتى نهاية شهر ماي (2018 علما ان سهام بن سدرين أكدت بمناسبة مناقشة ميزانية الهيئة أمام مجلس النواب أن الهيئة لا تنوي التمديد في عملها وأنها ستعمل على اتمام مهامها في الأجل القانوني..

الاحتمال الثاني -وهو الأعقد- رفض مكتب المجلس طلب التمديد، أو في أحسن الأحوال وفي صورة وجود خلاف بين أعضاء المكتب يتم رفض التمديد في الجلسة العامة. فهل ستقبل هيئة الحقيقة والكرامة بقرار الجلسة العامة تحترمه ام ستمضي في عملها حتى نهاية ديسمبر وتعتبر الأمر مقضيا باعتبار أنها قررت التمديد وعللت القرار ويكفيها ذلك ولا تنتظر موافقة من البرلمان حتى تكمل مهامها.. لكنها في هذه الحالة ستجد نفسها دون ميزانية او اعتمادات ضرورية لتمويل نشاطها وقد يتوقف عملها دون نتائج ملمومسة.. وهنا احتمال نشوء أزمة في الأفق يظل قائما ومطروحا، وسيكون وقودها هذه المرة ضحايا الانتهاكات أنفسهم وأصحاب الملفات المودعة لدى الهيئة فأين سيلجؤون ومن سيضمن حقوقهم..؟ أسئلة ستظل دون اجابات حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود..

قرار.. وتعليل

يذكر أن مجلس هيئة الحقيقة والكرامة، قال في بلاغ له أصدره أول امس الثلاثاء خلال جلساته بتاريخ 15 و26 و27 فيفري المنقضي، أنه قرر التمديد في مدة عمل الهيئة بسنة حسب ما يخوّله لها الفصل 18 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية، على أن تنهي الهيئة أعمالها يوم 31 ديسمبر 2018، وفق رزنامة محدّدة في الغرض.

وأكد المجلس أن القرار يأتي بعد معاينته لاستحالة استكماله لمهامه موفى ماي 2018، بسبب إمتناع جزء كبير من مؤسسات الدولة، عن تطبيق أحكام الفقرة 9 من الفصل 148 من الدستور وقانون العدالة الانتقالية، ولا سيما منها الفصول 40، و51، و52 و54 المتعلّقة بالنّفاذ إلى الأرشيف العمومي والخاصّ، وخاصّة أرشيف البوليس السّياسي. وعدم صدور الأمر الخاص بصندوق الكرامة لجبر الضرر ورد الإعتبار لضحايا الاستبداد. وتعطيل آلية التحكيم والمصالحة، وتضاعف عدد الملفات الذي تجاوز 63 ألف ملفّ.

وينص الفصل 18 من القانون الأساسي المتعلق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، على أن «مدة عمل الهيئة حددت بأربع سنوات بداية من تاريخ تسمية أعضائها، قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة سنة بقرار معلل من الهيئة، يرفع إلى المجلس المكلف بالتشريع قبل ثلاثة أشهر من نهاية مدة عملها».

أسباب أخرى

بالعودة إلى طلب التمديد وتعليل الهيئة لذلك بتعطيل مؤسسات الدولة لمهامها، لا بد من الإشارة إلى أن أعضاء سابقين بمجلس الهيئة طردوا منها وهم أربعة أنصفهم القضاء الإداري، وقضى بعودتهم إلى الهيئة دون ان يتم ذلك، أكدوا في مناسبات عديدة مثل القاضية عفاف النحالي أن تعطل عمل الهيئة كان بسبب “تجاوزات داخل الهيئة والتلاعب بملفات الضحايا” ممّا عرّضهم لمضايقات عدّة وأدّى إلى إنهاء إلحاقهم.

ورغم ذلك طالبت النحالي في جلسة استماع امام لجنة شهداء الثورة وجرحاها انعقدت بتاريخ 15 جانفي 2018 بضرورة التمديد للهيئة باعتبار ان جلسات الاستماع لم تستكمل بعد، ولم تقع الاستجابة لانتظارات الضحايا. وأشارت الى أهمية سد الشغور لإعطاء شرعية لقرارات الهيئة..

بدوره قال القاضي الإداري المتقاعد أحمد صواب الذي استمع إليه داخل اللجنة «أنّ منح مجلس نوّاب الشعب مهلة ثلاثة أشهر للنظر في طلب التمديد لم يكن من فراغ بل لدراسة المطلب والتقرير بشأنه”. وقال إنّ عبارة “يُرفع” التي جاءت ضمن الفصل 18 من قانون العدالة الانتقالية، تعني بالضرورة علاقة عمودية قائمة بين البرلمان والهيئة، وكلّما نجد كلمة “يُرفع” نجد بالضرورة “سلطة تقريريّة”، مؤكّدا أن المجلس التشريعي هو الذي منح الهيئة فترة عمل بأربع سنوات والمجلس بالضرورة هو الذي يُقرّر التمديد من عدمه”.

وكانت سهام بن سدرين قد ردت أمس على هذا القول في حوار مع راديو «شمس اف ام»، بقولها أن صلاحيّات تمديد عمل الهيئة حسب النص القانوني يرجع لمجلسها وليس لمجلس نواب الشعب معتبرة أن تصريحات أحمد صواب بخصوص عدم دستوريّة التمديد سياسيّة بالأساس باعتباره نقابيا وناشطا سياسيا. واعتبرت أن الهيئة قامت “بعمل جبار في كشف الحقائق وجبر الضرر” وأن الملفات التي ستقدمها سيتم حفظها في مؤسسة تعنى بأرشيف الهيئة أو إحالتها للأرشيف الوطني.

This is only an excerpt. You can read the full article on الصباح

شاهد أيضاً

أحزاب وجمعيات وشخصيات وطنية تعلن معارضتها لمسار 25 جويلية ومساندتها لمبادرة اتحاد الشغل

أعلن عدد من الأحزاب وجمعيات من المجتمع المدني وشخصيات وطنية في بيان عنونوه ب”إعلان 26 …