الخميس , 15 أبريل 2021
الرئيسية / العدالة الانتقالية دعامة للاستثمار

العدالة الانتقالية دعامة للاستثمار

 

إن تنظيم جلسات الاستماع العلنية يومي 17 و18 من الشهر الجاري هو أكبر ترويج لمؤتمر الاستثمار المنتظر عقده نهاية الشهر


المستثمر الذي لا يثق في مؤسسات الدولة لن يُقدم على الاستثمار والمخاطرة بأمواله، فالثقة هي مفتاح لمناخ يشجع على الاستثمار وذلك سواء بالنسبة للمستثمر الأجنبي أو التونسي على حدّ السواء


قد لا يمكن وصف العلاقة بين العدالة الانتقالية والاستثمار إلا بأنها علاقة عضوية وطيدة، فلا يمثل تحقيق أهداف العدالة الانتقالية دعامة فقط للاستثمار من خلال توفير شروطه، بل كذلك ضمانة لاستدامته عبر وجود مناخ سياسي واقتصادي واجتماعي سليم ومستقرّ،كيف ذلك؟


دعونا نتساءل في البداية:

هل يمكن تحقيق استثمار دون ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة؟ هل يمكن دفع التنمية دون القيام بإصلاحات جوهرية لمؤسساتنا؟ هل يمكن أن نبني اقتصادا مزدهرا في مجتمع لم يعالج جراحه ولم يحقق المصالحة؟ هل يمكن بناء أسس اقتصاد قويّ ومستقرّ دون تفكيك منظومة الفساد؟


الإجابة قطعا لا، ولذلك، يمثل تفكيك منظومة الفساد وبناء دولة القانون، وعودة الثقة في مؤسسات الدولة، والقيام بالإصلاح المؤسساتي، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، من أهداف للعدالة الانتقالية التي نحن بصدد تنفيذها في بلادنا. حيث لا يمكن دفع الاستثمار دون توفّر مناخ سياسي عنوانه لا صوت يعلو فوق صوت القانون، وذلك هو معنى دولة القانون. ولا يمكن تحقيق التنمية كذلك دون مناخ اجتماعي واقتصادي سليم بعيدا عن التوترات داخل المجتمع، ودون القيام بالإصلاحات المؤسساتية اللازمة.


وفي هذا الجانب، يمثل الفساد عدوا رئيسيا للاستثمار وللنمو الاقتصادي، حيث يكلف الفساد وضعف الحوكمة الرشيدة أكثر من 2 مليار دينار من ميزانية الدولة، كما تكبدنا هذه الآفة 4 نقاط في النموّ سنويا. وإن كان اليوم شعار المرحلة هو مكافحة الفساد، فإن العدالة الانتقالية هي في لبّ هذا الشعار، فتفكيك منظومة الفساد هي هدف رئيسي في منظومة العدالة الانتقالية وعبر هيئة الحقيقة والكرامة التي تتولى الإشراف على تنفيذها.


فمن أخطر مظاهر الفساد وأكثرها تكلفة هو المستشري في الصفقات العمومية، حيث استباحت لوبيات الفساد والإفساد مؤسسات الدولة لمصلحتها الخاصة وهو ما أضعف من قدرة الدولة على تعبئة الموارد. كما يسبّب الفساد تكاليف باهظة اجتماعيا حينما تنخفض مخصّصات البرامج الاجتماعية التي تتوجه لضعفاء الحال.


ولذلك تستهدف العدالة الانتقالية إصلاح المؤسسات، وتوجد في هيئة الحقيقة والكرامة لجنة خاصة للغرض هي لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات. حيث يقتضي اصلاح المؤسسات خاصة مراجعة التشريعات وغربلة مؤسسات الدولة ومرافقها ممن ثبتت مسؤوليته في الفساد وتحديث مناهجها وإعادة هيكلتها.


ولا يفوتنا أن نشير إلى أنه لا تكاد توجد تجربة للعدالة الانتقالية في العالم مزجت بين الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي كما التجربة التونسية التي ربطت الفساد بالاستبداد، وجعلت الهدف هو تفكيك منظومة الاستبداد،وكذلك منظومة الفساد، وذلك لأنهما يعيشان في بيئة واحدة. ولم يكن النظام المافيوزي الذي ثار ضده الشعب التونسي إلا حاملا لوجهين، هما الاستبداد والفساد في آن واحد، ولذلك فلا يمكن الفصل بينهما في مهمة تفكيكهما، وهي المهمة الأسمى للعدالة الانتقالية.


ومن المهمّ أن نؤكد بأن الغاية من الاستثمار أن يكون نافعا لكل التونسيين. والغاية من التنمية أن تكون عادلة بين كل الجهات لتجاوز عقود الحيف والضيم بحقها. وفي هذا الجانب، تتميّز العدالة الانتقالية التي اختارها التونسية بعنايتها بمسألة العدالة الاجتماعية من زاوية إقرار الجهات المهمشة كجهات ضحايا في قانون العدالة الانتقالية. وفي هذا السياق، استقبلت هيئة الحقيقة والكرامة 30 ملفا لمنطقة ضحية تعرضت للتهميش والإقصاء الممنهج.


ومن جانب آخر، فإن جبر الضرر في العدالة الانتقالية كما قد يكون فرديا، فهو قد يكون كذلك جماعيا. ويفترض جبر الضرر الجماعي خاصة بالنسبة للمناطق الضحية دورا فاعلا للاستثمار الوطني بما هو محرّك للاقتصاد الوطني لتحقيق التنمية الشاملة والعادلة بين كل الفئات والجهات. كما تمكّن آلية التحكيم والمصالحة في العدالة الانتقالية وهي آلية تتميز بالنجاعة والمرونة، من معالجة سريعة وفاعلة لملفات الفساد المالي والاعتداء على المال العام، وهو ما يساهم في تجاوز مرحلة التعطل في معالجة هذه الملفات لدى القضاء منذ خمس سنوات وبالتالي تشجيع استئناف الاستثمارات ودفع عجلة النمو.


إن تنظيم جلسات الاستماع العلنية يومي 17 و18 من الشهر الجاري هو أكبر ترويج لمؤتمر الاستثمار المنتظر عقده نهاية الشهر كذلك. حيث سيأتي المستثمر الأجنبي ويعلم أن بلادنا تنفذ مسار للعدالة الانتقالية الذي اختاره شعبها، وأن التونسيين عاقدين العزم على تحقيق أهداف هذه العدالة الانتقالية والتي تستهدف تفكيك منظومة الاستبداد والفساد.


وكما بدت صورة تونس مقترنة بالإرهاب في السنوات الأخيرة، فإنه بفضل هذه الجلسات ستصبح مقترنة بالعدالة الانتقالية والاستقرار السياسي والمجتمعي والاقتصادي، وذلك هو المناخ الذي ينتعش فيه الاستثمار.


فالمستثمر الذي لا يثق في مؤسسات الدولة لن يُقدم على الاستثمار والمخاطرة بأمواله، فالثقة هي مفتاح لمناخ يشجع على الاستثمار وذلك سواء بالنسبة للمستثمر الأجنبي أو التونسي على حدّ السواء. ومن أهم مؤسسات الدولة في هذا الجانب هو القضاء. فالقضاء المستقل والنزيه وغير القابل للخضوع للسلطة السياسية ولوبيات الفساد، هو عماد دولة القانون، وأساس مناخ سياسي واقتصادي سليم.


فقد مكّن انجاز العدالة الانتقالية في جنوب افريقيا من جعل هذا البلد الإفريقي الذي كان موسوما بالعنصرية وانعدام الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بلدا نموذجيا في تحقيق المصالحة الوطنية والوئام المجتمعي. وباتت جنوب افريقيا عنوانا مشعا في العالم، جاذب للاستثمارات، فحققت البلاد دفعة اقتصادية بفضل عدالة انتقالية، عالجت الشرخ المجتمعي وأعادت الثقة في مؤسسات الدولة.ولعلّه لا يفوتنا كذلك الإشارة للمغرب الشقيق الذي عرف أول تجربة للعدالة الانتقالية في الوطن العربي. حيث كانت هذه التجربة دفعة أساسية للنهضة الاقتصادية التي تعرفها البلاد، حينما مثلت العدالة الانتقالية عنوانا لاستقرار البلاد في الخارج وفي عيون المستثمرين الأجانب.


يتقدّم اليوم تنفيذ مسار العدالة الانتقالية في بلادنا بخطى ثابتة، ويجب أن نكون جميعا عاقدين العزم على تحقيق أهدافه وذلك من أجل تونس يتصالح فيها مواطنيها فيما بينهم، ويتصالح فيها المواطن مع الدولة، ونفكك بفضل آلياتها منظومة الاستبداد والفساد. ولذلك فتحقيق أهداف العدالة الانتقالية هي دعامة أساسية للاستثمار والنموّ المستدام في بلادنا من أجل الأجيال القادمة.

 

لقراءة الخبر من المصدر اضغط على الرابط

شاهد أيضاً

عاجل-الأطباء يختارون بين من سنّه 15و21 سنة في الانعاش: الدكتور محمد الدوعاجي يوضّح

تحدّث رئيس قسم الولدان بالمستشفى العسكري ورئيس جمعية طب الأطفال محمد الدوعاجي عن إمكانية إدراج …