الإثنين , 27 يونيو 2022
الرئيسية / جدل في تونس حول دور المنظّمات غير الحكوميّة الأجنبيّة

جدل في تونس حول دور المنظّمات غير الحكوميّة الأجنبيّة

 

أثار البيان الذي نشره مكتب مركز كارتر في تونس، والذي دعا فيه إلى “تحسينات في التشريع الانتخابيّ”، جدلاً واسعاً وتنديداً من منظّمات مدنيّة محليّة. في 28 أيلول/سبتمبر الماضي، نشر المكتب بياناً حثّ فيه البرلمان التونسيّ على ” منح حقّ التصويت إلى قوّات الجيش والأمن”. هذه الدعوة اعتبرتها منظّمات محليّة نوعاً من التدخّل في الشؤون الداخليّة”. ووصل الجدل إلى حدّ النقاش حول دور المنظّمات غير الحكوميّة وعلاقتها بالدولة وحدودها. 

 

وقد أنشأ مركز كارتر مكتباً ميدانياً في تونس في حزيران 2011 لمراقبة الانتخابات، ومراقبة عملية صياغة الدستور ووضع الإطار القانوني للانتخابات. وفي عام 2014 تولى المركز ملاحظة سير الانتخابات التشريعية والرئاسية وأصدر عنها تقريراً.

 

في بيانه، طالب المركز السلطات التونسيّة بإدخال تعديلات على القانون الانتخابيّ كما “لاحظ غياباً واضحاً في الاهتمام بتنظيم الانتخابات الجهويّة التي من شأنها أن تدفع أكثر البعد التنمويّ، وتساعد على الاستجابة إلى مشاغل المواطنين في تونس”. ورأت منظّمة 10-23 لدعم مسار الانتقال الديمقراطيّ، في بيان لها نشر يوم 30 سبتمبر/أيلول، أنّ الدعوة تهدف إلى “فرض خيارات تشريعيّة لا وجود لمعايير دوليّة محدّدة في شأنها، قد تضرّ بمصالح تونس واستقرارها وسيادة قرارها”. وقال المنسّق العام للمنظّمة سامي بن سلامة لـ”المونيتور”: “إنّ بيان المركز مخالف لأبسط قواعد التعامل مع الدول ذات السيادة بتدخّله في عمل المؤسّسات الدستوريّة”. وفي السياق ذاته، ندّد المعهد التونسيّ للعلاقات الدوليّة في بلاغ نشره في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر الحاليّ ببيان مركز كارتر، معتبراً إيّاه “تدخّلاً في القرار السياديّ التونسيّ”.

 

وعن النقاط التي أثارت جدلاً في البيان، يقول بن سلامة: “النقطة الأولى هي مطالبة المركز بمنح حقّ التصويت إلى قوّات الجيش والأمن. فدولتنا وعلى الرغم من عيوبها، لديها تقاليد راسخة في تحييد تلك القوّات عن ممارسة السياسة، كما أنّ دستورنا يفرض عليها الانضباط والحياد التامّين. وهو تدخّل قد نفهم منه تحريض تلك القوّات على العصيان وافتكاك حقّ التصويت الذي ننظر إليه نحن كواجب أكثر من كونه حقّاً إذ أنّ واجبها حماية الوطن ما دامت تحمل سلاحاً والابتعاد تماماً عن السياسة. أمّا النقطة الثانية، فهي الضغط لفرض إجراء انتخابات جهويّة لم يطالب بها أحد، فنحن وإن كنّا مع الديمقراطية المحليّة، إلّا أنّنا مع الحذر في ذلك، ومع البدء بالانتخابات البلديّة دون الجهويّة إذ نعتقد أنّنا في ظلّ وضع انتقاليّ هشّ وأنّ أيّ تشتيت للسلطات وللموارد من شأنه إضعاف المركز والتقليص من الإمكانات الماديّة المتوافرة، وهي أصلاً ضعيفة، وربّما التسبّب في بثّ الفتنة بين الجهّات وخلق مدخل لتقسيم البلد”.

 

ورداً على ذلك، تقول مديرة مكتب مركز كارتر في تونس فداء نصرالله في حوار مع “المونيتور”، عبر البريد الإلكترونيّ: “إنّ المطالبة بمنح حقّ التصويت إلى القوّات العسكريّة وقوّات الأمن الداخليّ ينبع من موقف مركزنا بأنّ التصويت هو في الآن نفسه واجب وحقّ وطنيّ وليس عملاً سياسيّاً، وإنّ حرمان هؤلاء من حقّهم يتعارض مع الالتزامات الدوليّة للجمهوريّة التونسيّة، وذلك بموجب العهد الدوليّ للأمم المتّحدة الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة. إضافة إلى ذلك، فإنّه يتعارض مع الفصلين 21 و34 من الدستور التونسيّ. فالخوف من عدم التزام الجيش بالحياد ومن إمكان التلاعب بالتصويت بطريقة ما، يمثّل هاجساً تتقاسمه العديد من البلدان. ومع ذلك، فيمكن الحدّ من هذه المخاوف من خلال اعتماد تدابير معيّنة، وليس عن طريق الإنكار القاطع لحقوق القوّات الحاملة للسلاح التابعة إلى الدولة. أمّا في ما يتعلّق بنقطة الانتخابات الجهويّة، فالبيان لم يوص بأيّ تدابير خاصّة بالانتخابات الجهويّة، إنّما أعرب ببساطة عن قلقه إزاء الغياب التامّ للإشارة إلى الانتخابات الجهويّة، على الرغم من أنّ الدستور التونسيّ ينصّ على هذه الانتخابات في الباب السابع منه”.

 

وعلى الرغم من أنّ بيان مركز كارتر قد تعلّق بالقانون الانتخابيّ، إلّا أنّ جدلاً قد توسّع لنقاش دور المنظّمات الأجنبيّة غير الحكوميّة في البلاد. ويقول رئيس المعهد التونسيّ للعلاقات الدوليّة أحمد المناعي لـ”المونيتور”: “إنّ المنظّمات غير الحكوميّة الأجنبيّة قد تعاظم دورها في تونس بعد عام 2011، تاريخ سقوط نظام زين العابدين بن علي، وتحوّلت إلى مركز قوّة. وأصبحت تنشط بكلّ حريّة وفي مختلف مجالات الشأن العام، وتشغل الآلاف من الشباب مسنودة بالتمويل الأميركيّ والأوروبيّ وهي تمثّل جزءاً من السياسة الخارجيّة لهؤلاء المموّلين، وأداة للتأثير في السياسات الداخليّة والقرار الوطنيّ”.

 

من جانبه، يقول بن سلامة: “نحن لا نرفض وجود هذه المنظّمات بالمطلق، ونرحّب بها، لكنّنا نربطه باحترام الدستور والقوانين وكرامة التونسيّين، وبإدراكها أنّها تمثّل مجرّد جمعيّات تتعامل مع دولة كاملة السيادة. لها أدوار وإسهامات مفيدة في تمويل بعض المشاريع المهمّة، وفي توفير بعض الخبرة والتدريب، لكن يجب أن يكون ذلك تحت المراقبة كي لا ينحرف عملها عن الغاية التي تقبل تونس من أجلها التعاون معها في هذا المجال الذي يتضمن مصلحة أكيدة لبلدنا. مع ذلك، لا نقبل بأنّ تمارس السياسة في تونس ولا أن تتحوّل إلى طرف سياسيّ أقوى حتّى من أحزابنا وأن تتدخّل في اختياراتنا، وإلّا فلتسمح لنا بالتدخّل في شؤون مؤسّسات الحكم لديها وبتمويل جمعيّاتها ومراقبة انتخاباتها”. ويختم بن سلامة بالقول: “ومع احترامنا لبعض المنظّمات الفاعلة، وترحيبنا بها وفق شروطنا، فإنّه لا ثقة لدينا في مواقف بعضها الآخر بناء على تتبّعنا نشاطاتها وممارساتها، ولو أنّنا كنّا لنتقبّل مواقفها لو كانت تتحلّى بأدنى معايير المهنيّة والموضوعيّة على الدوام، إلّا أنّنا لاحظنا للأسف أنّ مواقفها تتحدّد بحسب مصالح بلدانها منذ دخولها إلى تونس إبّان انتخابات عام 2011. فمركز كارتر مثلاً، على الرغم من تميّزه سابقاً بالحرفيّة، إلّا أنّ تقييمه الإيجابيّ السطحيّ والمعدّ سلفاً لانتخابات 2014 الفارطة، كان مختلفاً تماماً عن تقييمنا نحن في 10-23”.

 

أخيراً، يبقى النقاش مفتوحاً في تونس عن دور المنظّمات غير الحكوميّة الأجنبيّة، بين من يعتبرها مجرّد أدوات في يدّ الدول التي تموّلها، وجزءاً من سياستها الخارجيّة للتأثير في صنع القرار المحليّ وتهدّد استقلال القرار الوطنيّ، وبين من يعتبرها منظّمات تساهم في تطوير العمل في الشأن العام، وتساهم في الرقابة وتدريب الشباب وتشغيلهم، وإنجاح مرحلة الانتقال الديمقراطيّ التي تمرّ بها البلاد منذ عام 2011.

 

للاطلاع على التقرير اضغط على الرابط

شاهد أيضاً

قيس سعيد غاضبا: التونسيون ظمأى.. ونأمر بإعادة الجمعيات المائية فورا (فيديو)

استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيد محمود إلياس حمزة، وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري اليوم الاثنين …